سيف عامر، شموع في الظلام، مقالات

لتحميل الكتاب يرجى الضغط على الرابط التالي:
https://www.4shared.com/web/preview/pdf/ap4LbFQLei

لتحميل إصدارات دار تجمع المعرفيين الأحرار للنشر الالكتروني يرجى الضغط على الرابط التالي:
https://www.4shared.com/account/home.jsp#dir=h45exNMs

19149423_1858611141070498_5131033377359347056_n
اسم العمل: “شموع في الظلام

اسم المؤلف : سيف عامر

نوع العمل : مقالات

الطبعة: الطبعة الالكترونية الأولى-16-حزيران– 2017م

الناشر : تجمع المعرفيين الأحرار

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

حقوق نشر الكتاب محفوظة للمؤلف والنسخة الالكترونية ملك لتجمع المعرفيين الأحرار

https://reberhebun.wordpress.com/

لنشر أعمالكم يرجى الاتصال ب:

reber.hebun@gmail.com

3

* السيرة الذاتية للكاتب :

* ولد القاص والكاتب سيف عامر في بغداد في الثالث والعشرين من يناير عام 1988.

* حاز على شهادة بكالورويس كلية الإعلام /جامعة بغداد لعام 2009 * شغل وظائف كثيرة في مسيرته الثقافية والمهنية , منها حصوله على جائزة الابداع الإذاعي والتلفزيوني التي نظمتها الجامعة عام 2007 .

* شغل منصب محرر لدى إحدى الصحف العراقية منها صحيفة النبأ المستقلة الصادرة من نقابة الصحفيين العراقيين .

* عضو في رابطة الصحفيين الأحرار التابعة للنقابة والتي حاز فيها على جائزة التقدير الإذاعي التي نظمتها الرابطة برعاية الشاعر العراقي ماجد عودة .

* رئيس تحرير جريدة بغداد الصادرة عن اتحاد طلبة كلية الاعلام /جامعة بغداد

*عضو مؤسس في إذاعة صوت الطلبة الصادرة عن الاتجاد المذكور

* شغل منصب محرر في مؤسسة الخبر الدعائية .

إضافة إلى الكثير من الوظائف التي كانت منطلقاً حقيقياً لكل آفاق الكتابة من قصص وخواطر وقصائد و التي خط حروفها منذ نعومة أظفاره.

3

(شمعة في الظلام )

كان الظلام يستوطن أجواء الطريق أمامي ويضلل عليه المسير , إلى أن طغى على كل شيء ولم اهتدي برؤيتي على شيء لولا سماعي حفيف الأشجار وطرقات قدمي اللتين لا تعرفان ما ينتظرني . لكن بعد أن يئست من السير ونال مني الإرهاق وقعت عيناي فجأة على ضوء بعيد لم أدرك ماهيته في بادئ الأمر , دفعني الفضول حينها إلى السير أكثر لاكتشف مصدره عله منحة من الرب تزيل عني هذا الظلام القدري ,لكن بعد أن أسرعت في سيري واقتربت من الضوء أدركت بأنه شمعة بيضاء بحجم شجرة البلوط يحيطها الضياء من كل اتجاه , فبالرغم من هذا المشهد الغريب والمفاجئ إلا أني لم أعرف أن كانت هذه الشمعة العملاقة هي نهاية الطريق أم أنها مجرد محطة عابرة وسط الظلام ؟. فلم يعد أمامي خيار غير آثر الاستمرار في سيري إلى النهاية دون أن أبالي بالظلام وما سيجنيه عليه من عواقب . وكان هدفي الأول الوصول إلى هذه الشمعة بأي ثمن لأعرف حقيقتها . ولكن كانت المفاجأة تنتظرني هناك , فشعرت بأني كلما أسير وأتقدم إلى الأمام كانت تبتعد عني أكثر وأكثر إلى إن هرولت بكل ما أمتلكه من جهد علي أصل إليها لكنها تبتعد ثم تبتعد إلى أن تلاشت كلياً كالنجمة التي تنفجر وسط الفضاء الفسيح .

أدركت بعدها بأنها حلم عابر , وأدركت أيضاً عندما استيقظت من نومي بأن السير في الظلام هو الآخر كان حلماً .

4

(صدى اللحظات )

تتسلل إلينا زخات المطر كاللص

تكتمأصوات عصافيرنا المسكينة

وتعمي ضياء مصابيحنا المتدلية

وتبعث فينا شوقاً

الى ذلك الماضي الذي يتفجر فينا كلما اشتد زمهريرها

وتداهم أبواب منازلنا

دون سابق أوان

لا لشيء

سوى لتداعب جباهنا

وتروي زروعناالمتعطشة

وتلملم في اذهاننا بقايا ذكريات

قبل ان تغادرنا مع انقشاع السحب

وبزوغ الفجر

من صدى فضائي الفسيح

تنطلق لحظات

تقودنا

لأحلام الطفولة

وترسم على محيانا

شظايا ابتسامات

تتخللها صور لبساتين جميلة

كنا نلهو بثمارها

ونحفر على جذوعها شتى العبارات

قبل ان تدنسها

حوافر الطغاة

في عصرٍ غص بالنازلات والمحن

لم نحصد في أرضنا وبساتيننا

غير لوعة قلب

ودمعة يتيم

ستظل شاهدةً

على ترحالنا .

5

محض أمل

بين حدائق العشاق أتجول كالضائع أتوسل ذلك البستاني العجوز كي يهديني باقة ستكون آخر ما أتسلى به قبل عودتي المنتظرة الى ذلك الضباب ! أتأمل فيه تلك الورود وأنثرها عبر مسامات جرحي الذي ستظلين صورته الأبدية , واستحم من عطرك الندي الذي ينساب عبر النوافذ كالمطر الغازي . فلا أمل لدي غير أن احصي جميع الذكريات في أرشيف سيكون آخر سلاح أشهره بوجه ذلك القدر فقد بنيت في فراغي جسوراً من الوهم وتجرعت في هذا الفراغ كأس فراقك واستنشقت فيه خريفك العابر لأكون ضحية الفصول ورهن خداعها فأنا كمن يلملم بقايا العمر في وجه الصدفة التي لم تترك لي الوسيلة أما اليوم وحدي ارتشف القهوة الداكنة وأقرأ الطالع فيها مستغنياً عن حذلقات العرافات و أرتب الفرضيات على مهل علي ان أجد فيها شيئاً يسيراً من ذلك الحلم (عودتك) , بدلاً من البحث عنك كالهائم في الطرقات رغم أني لا زلت أسمع دندنتك في ليالي الموحشة وأترقب أنفاسك التي ما تنفك أن تداهمني دون سابق أوان فلا أمل لدي غير أن أعانق ذلك الفجر المرتقب وابعثه إليك حاملاً على جناحيه نشوة الفؤاد ودموع فاضت بها القصائد والخواطر . في علياء سمائي كان وما زال شوق خالد تنساب منه قطرات تهمس باسمك كل ما هب نسيمها وكأنها بهذه الحيل الطقوسية تحاول جاهدةً تجاوز حصن الحاضر المنيع وأن كان ذلك مستحيلاً!, فلا أملك حيلة التلاعب بالزمن ولا اللجوء الى عالم الأحلام كل مرة فكأني أسير ذلك القفص ذلك العالم أحاول الهروب منه دون جدوى وأحاول كتم تلك الصرخة المكتومة من الأعماق التي ما تنفك أن تحطم جميع القواعد التي تعترض طريقها وتصل بي الى ذلك العالم اللامرئي الذي لا زلت أجهله كمن يجهل كابوس ينتظر عناقه كل ليلة !.

فلم تعد أميرتي تحل علي في أحلامي ولم أعد أرى عطرها الذي كان يسير بروحي نحو ذلك النور الأبدي .. . كانت وستظل زهرة الخلود كانت وستظل وليدة ذلك العصر الجديد وليدة الروايات التي ستتلقفها الأجيال وتنتشي بها الأقلام .بل هي نبيذ اللؤلؤ التي منها كانت كليوباترا تتجدد كل يوم.. بل هي الموناليزا التي تطوف بها روح دافنشي عبر المتاحف والقاعات .. بل هي مريم المجدلية التي لا تفارق مخيلتنا كلما عزفنا موسيقانا وسطرنا قصائدنا , بل هي الكون بكل ما فيه من جميل . أما اليوم يا أميرتي فلم يعد أمامي خيار غير أن أبحث عن جنة في هذه الأرض منها ستبدأ رحلتي أنير بها جميع الدروب وأبحر منها نحو ذلك الكنز وان كان محض أملٍ رسمته مخيلتي العنيدة !.

6

الجنازة

مطر ناعم وغزير ينهمر على بيوت القرية وأهلها الذين على ما يبدو استيقظوا لأداء فريضة الصلاة كعبادة ورثوها من الآباء والأجداد شأنهم شأن باقي أهل القرى المجاورة .كان خدام المسجد يسيرون في صف مستقيم مصطحبين معهم جثمان الملا عدنان الذي يبدو انه فارق الحياة في ساعة متأخرة من الليل لينقلوه كما هو مكسواً بثيابه حتى بيت الشيخ وهناك غسلوه واعتنوا به وأقاموا له الصلاة المصحوبة بالتأبينات على عجلٍ لإعانته على الانتقال الى العالم الآخر متمماً واجباته الدينية ! والموت كما يليق بالمرء ان يموت .

كان لهذا الرجل حظوة في القرية فقد كان محبوباً من الجميع لطيف المشعر لا يتوانى عن تقديم المساعدة و العون حتى في أحلك ظروفه المادية والصحية فضلاً عن إصراره الدائب على حل النزاعات العشائرية بأيسر الطرق وبأقل الخسائر ولهذا كان لرحيله فاجعة استفاق على دويها جميع من في القرية و وجهائها الذين تبعوه حتى مثواه .

وضع نعشه على محمل وحمل ملتفاً بغطاء أبيض وخلفه سار جميع أهل البلدة في صفوف عديدة كانت رؤوس الذين في المقدمة عارية بسبب حرارة الطقس فيما الآخرون ارتدوا قبعات لإخفاء صلعاتهم !. وأمام الجميع سار الشيخ وهو يتلو صلاة الموتى مراراً والى جانبه مساعده الذي كان يردد كل ما يقوله شيخه بصوت خفيض , أما شقيق الملا المرحوم فكان يسير وحده بمسافة من الموكب واهن العزيمة خار الساقين كمن يواصل مع نفسه حلماً مضنياً يحاول عبثاً الخروج منه من يراه يحسب بأنه لم ينم ليله وما الاحمرار الذي طغى خديه إلا دليل على غزارة الدموع التي أهرقها طوال فترة استيقاظه . استمر المشيعون في المسير مع راياتهم وشمعوهم مرددين التراتيل التي تعبر الطريق و تخفت مع جلبة الخطى , كانت المقبرة لا زالت بعيدة عنهم ولهذا توقفوا مرتين من شدة الإعياء بحيث كادوا يعجزون عن حمل الميت الى مثواه . انعطفوا يميناً ليسلكواً طريقاً مختصرة عبر الأسيجة المزهرة والجين ممراتٍ عديدة بين الحقول , كانوا يصعدون على مهل وحصباء الطريق تتدحرج تحت أقدامهم ثم تسقط في الوهاد ويتلاشى صداها في

المهاوي المسكوة بنبات الخلنج . وفجأة سمع صراخ فتوقف الموكب كان شقيق الملا المرحوم يطلق

7

الصرخات المكتومة كهبات دخان متتالية شعر بأن قواه بكل ما فيها قد وهنت عندما أراد الوقوف للحاق بالموكب الذي كان يبعد عنه مسافة قصيرة لكنه سرعان ما خر من جديد على كومة الحشائش كمن يصارع مرضاً عضال

ليأتي إليه إثنان من المشيعين يحملوه على أكتافهم رغم ان هذه المهمة لم تكن تختلف في شدتها عن الذين كانوا يحملون نعش المرحوم .

وصلوا أخيراً الى المقبرة التي كانت محاطة بجدار أبيض وأشجار السرو الخضراء وسياج أسود محاط بأحجار كبيرة يكسو العشب معظمها . حفروا قبر الملا بالقرب من قبر معلم مدرسة القرية القديم , وفيما كان ينزل النعش ويرش الماء المقدس كان وجه شقيقه يزداد شحوباً كلما حفر الدفانون أكثر . كانت دموعه ترافق كل رفش تراب يرمى على الجثمان وظل على هذه الحال يتمعن بما تبقى من بياض الكفن قبل ان يشتمل بالتراب وجعل فيما بعد يشتم الحاضرين ويلعنهم فكأنه كان يريد ان يتمدد مكان شقيقه ويتابع نومه !, غادر جميع من في الموكب المقبرة بعد مواساة شقيق الملا التي كانت تتفاوت في درجات الشفقة و الاهتمام أما هو فظل وحيداً حتى غروب الشمس منثني الركبتين لا يفارق نظره القبر عندها لم يعرف مصيره في القرية منذ ذلك اليوم ولم يعد إليها مطلقاً . مرت الشهور تلو الشهور … و لم يلحظه أحد انقسمت الروايات حوله بين من تقول بأنه رمى بنفسه من فوق جبل شاهق نحو مياه البحر وأخرى تقول بأنه ترك القرية نحو أرض بعيدة مجهولة , ظل لغزه عالقاً الى اليوم فلا أحد يعلم ان كان بحكم الأحياء أم الأموات عندها لم يكن أمام أهل القرية خيار غير إدراجه في لائحة المفقودين على أمل ان يعود إليهم من جديد رغم ان هذه الأمنية لا زالت غير منطقية في قرارة نفوسهم !.

8

هوامش عاشق

ألوج ممرات ضيقة في الظلام لأتذكر فيها عطرك الذي كان يرشدني في كل خطوة عمياء أخطوها إليك

وأحن لتلك السحب التي أترعتنا من دفئ قطراتها وأحن لذلك الربيع الذي كان يرسم طلتك كلما هب نسيمه فقد مزقت جميع صور الذاكرة وألقيت بها في شواطىء العدم وتركت ورائي أرشيف عمري الذي كنت تحتلين كل محطاته كتابة القصيدة على ضوء المصابيح الخافت كان آخر محطاتي معك لأبني على سطورها بقايا أمل مل لهفة انتظارك وتنكر لحزني قبل رحيله فحول ماضيك كانت تشيد المقامات التي لا زال يتباهى بها الملوك والعبيد وعلى قصور ذكراك كانت تقدم القرابين لتكون شهوداً على مأساتي أهو محض حلم عابر ؟ أم خيال مستبد ؟ أم انها ملامح عصر سحيق كان فقط فيه أنا وانت ..؟ نبني فيه قصور من الرمال كما يفعل الأطفال ونرش على بعضنا رذاذ الشاطئ كما يفعل المتصابين ! شهرزاد كانت تناديني في كل ليلة من ذلك العصر لترتل لي الروايات من شفتيك وتكمل لي في الصباح ما تبقى من سطورها على مهل ليكون عنوانها الأخير (خواطر من رحم العبث ! ) فكل ما كتبته عنك كان عبث وكل ما أحببته فيك كان عبث

9

وكل ما سردتيه لي كان من أمارات عبث يضعني اليوم في هاوية سحيقة تكاد تعيدني الى ذلك العصر الذي كانت فيه رحلتي معك كل ما تبقى من الروايات التي سردتيها لي ! تنحني لها اليوم الفصول عن طيب خاطر وتتناثر جميع الأوراق التي كتبت فيها اسمك من شجرة كنا نقطف ثمارها كل يوم

10

على أنغام الذكريات

الى اليوم لا زلت أرقب طيرك في عتمتي كأنه يحمل رسائلك إلي دون جدوى !

وكيف كانت أوتار قيثارتك الخشبية تبعث في شوقاً هستيري

وكيف كانت ابتسامة عينيك تحررني كل مرة من جسدي لأسافر بعيدا في ثنايا أثيرك

وسط فوضى حواسي تذكرتك من جديد

تذكرت لهيبك, وهمساتك التي كأنها خواطر مكتوبة على أوراق شجر متهاوية !

وتذكرت القمر الذي يعكس صورتك الممتزجة بالسحاب

لتتلاشى الى ضيف أنيق يحل على أحلامي

التي سرعان ما تتكسر تحت اليقظة كالأمواج

فبغيابك عزفت الألحان تلو الألحان ..

ليكون عنوانها الأخير سماء أنغام تتوسدها نجوم الذكريات .

قبل ان نسقط في شركها الأبدي !.

11

حلم مسافر.. (حوار التلميذ والأستاذ)

يبدو بأنك لم تتعلم الدرس بعد تظن بأنك ستعثر على الجقيقةوسط بحثك السخيف هذا ؟ .

ألم أوصيك بأن تقبع في برجك العاجي بدل البحث وسط الحشود ؟. امتعض التلميذ من أستاذه مجيبا : أفضل أن أبحث عنها في كل مكان فهذا أفضل من القوقعة داخل برجي هذا فكأنها تلوح أمامي كلما أسير كالمستقبل الذي نراه شاخصاً أمامنا في كل خطواتنا دون أن نعرف ما يخبئه لنا في الخطوة التالية .

ولكن هذا لا يعني أن نتقيد به ونسلم به كلياً فرحلتي الطويلة لم تنتهي بعد فما زلت أتقمص دور ديكارت في التفكير كي أهتدي لطريقة أخرى تجبرني على التحليق في عالم أجمل وأعم وان كان إفتراضيا أبحث فيه عن أوكسجينا نقي خالٍ من شوائب المصطلحات والنظريات حفظتني إياها , ولكن يبدو ان مخيلتي المسكينة أرهقت كثيرا في هذه الرحلة فإلى متى تظل تخترع عوالم تضيء وتتلاشى كعيدان الكبريت ؟!.

فلا عالم يمكن ان ينطفئ في مخيلتي غير غرف المقاهي البائسة التي ينام على أرائكها أنصاف العقلاء و المذمومين الذين لا يعيرون للأزمات أدنى اهتمام فهم بطبيعة الحال قد ملوا التمنطق والشعارات كما هو الحال لدينا نحن الفلاسفة !.

يستطرد الأستاذ قائلاً: “ إذن وفر على مجهودك ولا تستمر بالبحث طويلا فلن تعثر على شيء مهم في خضم هذه الفوضى التي تشغل تفكيرك أين هو الصفاء والنقاء الفكري الذي كنت تتحلى به يبدو أني اليوم أرى شخصاً آخر غير تلميذي الذي عهدته مجتهداً يبحث عن الحقيقة بنور عقله لا أن بهؤلاء المجانين الذين ندعوهم العامة “. يرد التلميذ قائلاً :”ربما كلامك صحيح ولكن هذه الحقيقة التي لم أنفك من البحث عنها لم أجدها في غير الكتب والأساطير .ربما هي حلم الإنسان الأعلى الكبير الذي لم نرى طيفه حتى ,أو هي العوالم التي مررت فيها مرور الكرام .

قد أجد نقيضها بدلاً منها لأنها ببساطة قد ولدت منه , هكذا أرى الأمور يا معلمي“. لم يجب المعلم بشيء لكنه ترك تلميذه هذه المرة يؤمن بما يقوله ويفكر فيه قرر التلميذ بعد ذلك ان يبحث عن الحقيقة وحده دون أن يستعين به , تناول عقاره الروحي وبدأ يحلق نحو تلك العوالم التي رسمتها مخيلته . كانت

12

هذه المدن شاخصة أمامه يحدق في أجوائها والدهشة تستولي عليه كأنها مدن حقيقة آلفها في عالمه المادي , فكل الأجواء التي مر بها كانت تشبه كرنفالات ليلية لا تعرف النهار

ولكن رويداً رويداً بدأت المدن والمباني تتلاشى أمامه كالجليد وكأن الظلام كان ينتظر لحظته المنشودة ليكون البديل الأبدي لهذه الرحلة الطويلة .لم يستطع التمييز روحه الهائمة نحو هذه العوالم من جهة, وجسده الأسير بين أربعة جدران من جهة أخرى باتا معاً حبيسا هذا الظلام . شعر بتوتر شديد فلم يعد بحوزته العقار الذي كان يسعفه في مثل هذه الظروف فالظلام قد طغى على كل شيء , لم يعد لديه خيار غير أن يعود الى عالمه الحقيقي ليبحث عن عقار جديد بدلاً من الحقيقة المزعومة التي صدع بها المعلم رأسه !.

13

ترسم لأجل الهروب

هكذا تعودتي ان ترسمين لوحاتك بألوان كأنها مزيج أسلاف غامضة لا يتقنها غير الرسامون الغرباء الأطوار! , لكنك تناسيتي ان ترسمين في اللوحات دماملك التي ملأت قفاك في الآونة الأخيرة وتناسيتي ان ترسمين شحوبك الزمهريري الذي وكأنه يرسم وجهك في لوحاتك !..

من انتي؟ يتسائل صوت روحها المكبوت وكيف دخلتي العالم دون إذن من أصحابه؟!, وكيف لك عيون ترين فيها جميع الآخرين من حولك وعيون لا ترين فيها سوى نفسك؟!. وسط هذا العبث المتصاعد وامتزاج الأنفاس الذي لا يتوقف عند حد يجيب صوتها قائلا :

أنا اللتي ما زلت أرسم لوحاتي وأضفي عليها غير ألوان التأمل

أنا لا أعيش سوى لأتنفس”, سوى لأخرج من بيتي تائهة ارتطم بشرودي بالأعمدة والجدران ” لم يبقى في حياتي سوى قطتي المسكينة التي أصابها البرد والنحول بسبب انشغالي عنها واهتمامي باللوحات لكن تلك القطة لا تقل حزنا وألما عن امرأة لا تجيد ثرثرة النساء الطنينة ولا الأتكيتات العصرية التي تبعث على السأم والملل!.”.

توقف صوتها فجأة واستأنفت تأمل لوحتها الجديدة قبل أن تضع عليها لمسات ريشتها .

لكن ليلها الغائم عاود الكرة عليها من جديد ليقتحم عالمها الضيق هذه المرة وليفرد جناحيه الغليظين على بياض لوحاتها لكن رغم ذلك لم تتوقف عن الرسم فمخيلتها العائمة كانت أقوى من الليل وجناحيه.

الشيء الوحيد ألذي أجادته هو الرسم الذي لم يكن نتيجة تمرين طويل كما هو الحال عند الرسامين وإنما كان عليها ان ترسم فقط دون ان تسأل عن سر موهبتها تلك مفضلة في موهبتها الهروب من الأرواح الحية لتختار طريقها فيما بعد نحو الأرواح القتيلة !.

14

مصير الرجل المفكر

هي مدينة تغطيها المباني والشوارع المزدحمة سر بقائها الحركة الدائمة , الجميع هناك يذهبون لمقار أعمالهم ومشاريعهم دون اكتراث بأمور أخرى فهم بطبيعة الحال خانعين لهذا الوحش الذي ندعوه الرأسمالية” !. ولكن ما زال هناك رجل يقبع بمنزل بسيط وسط المدينة يطلق على نفسه لقب (المفكر) الذي غالبا ما كان يتمشدق به ويشهره كسيف أمام أهل مدينته . فهو مختلف جذريا عن بيئته ومحيطه غير مبال ٍ بالمظاهر الخارجية والأتيكيت , كما عند أقرانه هناك فقد ناهز الستين من عمره ورمي في مزبلة التقاعد كحال من سبقوه اعتاد الخروج كل صباح واقفا أمام الشوارع المزدحمة ينثر أوراقا كتب فيها خطب وأمثال قد لا يفهما إلا أهل العلم والفلاسفة الكبار !, فهو لا يأبه للمارة الذين غالبا ما كانوا وجود يسخرون منه ويقذفونه بشتى أنواع الشتائم , ناهيك عن رجال الشرطة الذين لا يقلون ضراوة عن المارة في معاملتهم له , لكن بالرغم من كل هذا الأسى الذي كان يحزنه إلا أنه اعتاد على مثل هذا الروتين, وسرعان ما يعود الى بيته عند الغروب يأوي الى فراشه كعادته بعد ان تناول وجبة بسيطة قد لا تسد رمق من يخرج طوال النهار. لكنه غالبا ما كان يستيقظ من نومه فزعا يتصبب العرق من جبينه كأنه نسي أمورا باتت تشكل لديه هواجس قلق تقتل نومه , أما هذه الهواجس والوساويس فلا تعدو كونها مسائل رياضية وفلسفية كانت تجبره على القفز من فراشه مسرعا كي يمتلك الوقت الكاف ليحل رموزها و يفك طلاسمها قبل حلول الصباح الذي لا يقل تعبا وأرقا عن الليل بالنسبة إليه.. فهو رث الثياب كث الشعر واللحية تأبى حتى الكلاب والقطط أن تقربه , فالناس في المدينة يصمونه بشتى أنواع الجنون لكنه دائما ما كان يرد عليهم بافتخاره بجنونه وان كان مردود ذلك سيئا !, فالجنون والعبقرية في نظره وجهان لعملة واحدة. وذات صباح ذهب إلى الشوارع المزدحمة وكرر صولته المعهودة برمي الأوراق تلو الأوراق ناثرها في كل اتجاه , صارخا على المارة يأمرهم بقراءة ما فيها رغم أنهم كانوا يتجاهلون ذلك, فدائما ما كانت أوراقه تأخذ نصيبها من الدهس كل يوم وهذا الأمر كثيرا ما كان يشعره بالغضب والإحباط. لينزل بركبتيه النحيلتين على الأرض ليجمع ما تبقى من شتاتها فعند مسكه بأول ورقة كما يفعل هذه المرة سيارة مسرعة ودهسته بنفس الطريقة التي تدهس أوراقه عندها بدأ أثير روحه يتصارع لأجل مرتسماً على شفتيه

15

ابتسامة هادئة ليس لأنه تحرر من حياته البائسة وما جنت عليه من آلام ومآسي , بل كان السبب في

ابتسامته اطمئنانه على الورقة التي كان قابضا على طرفها فلا زالت فيها الكلمات واضحة لم يمحوها السخام مثل كل مرة ,مفضلاً أن تفيض روحه نحو العالم الآخر مقابل سلامة أوراقه !.

ظل ممداً على الأرض لوقت طويل , أما أوراقه فحملتها فيما بعد ريح قوية نثرتها بين سماء المدينة في كل اتجاه وكأنها تنوب عنه في المهمة التي كان يحرص كل الحرص على إتمامها كل صباح , فالهروب من عبء هذه المدينة والناس الذي فيها تمناه منذ زمن طويل لولا صحته وجسده اللذان لم يسعفاه على تحقيق ذلك , أما في هذا الصباح فيبدو بأنه هرب بالفعل لكنه هروبه هذا تم بطريقة مختلفة !.

16

الدافع الجنسي ووقوع فرويد في الخطأ

لقد بالغ العالم الكبير سيجموند فرويدفي نظريته عندما تحدث فيها عن الدافع الجنسي الذي اعتبره المحرك الوحيد للإنسان أو لجهازه النفسي أن صح التعبير . فاعتبر فرويد النفس البشرية وكل ما تحتويه من طاقات ومكامن مجهولة لا يمكن أن تقوم دون هذا الدافع وهو بهذا التحليل درج الشعور (الواعية) واللاشعور (الخافية) في هذا الاعتبار وهنا مكمن الخطأ . فيجب علينا في نفس الوقت أن لا نغفل عن السلسلة الطويلةالمعقدة التي تنبثق بموجبها التفاعلات السيكولوجية التي من ضمنها (الواعية) و(الخافية) لا ننكر هنا أن الدافع الجنسي وما يولده من نتائج وانعكاسات يحتل موقعا مهما في هذه السلسلة , وهذا الأمر لا يختلف عليه إثنان بالتأكيد , لكن هذا لا يلغي في ذات الوقت وجود دوافع وجوانب أخرى في النفس البشرية لا تقل أهمية عن الدافع الأخير فإذا أخذنا على سبيل المثال (الأنا) التي تصنف من ضمن الجانب السلوكي للإنسان حيث تكمن أهميتها في رسم وتحديد ملامح الشخصيةالفردية بكل ما تحمله من أفكار, وميول, وعقد, وانفعالات …. الخ , وهذا يعني أنها قد توجه الدافع الجنسي أو بالأحرى تتفاعل معه أثناء (المواجهة الجنسية) ولا تعتبر في هذه الحالة منفصلة عن الأخير كما أشارت مدرسة فرويد. .

ولا ننسى أيضا (الأنا الأعلى) و (الهو) اللتان تمثلان جميع المعادن المجهولة التي تشترك مع (الأنا) في تكوين شخصية الفرد كما أشرنا. .

كل ما ذكرناه للقارىء الكريم ليس هو النهاية بالنسبة للنفس البشرية ذلك العالم المجهول الرحب الذي لا يقف عند نقاط محددة كما هو الحال عند بقية العلوم , أما بالنسبة الى الدافع الجنسي وهو موضوع بحثنا فيمكن أن ان نقيمه من الناحية العلمية عامل غريزة و تواصل داخل هذا العالم المجهول الرحب ( النفس البشرية) وهذا يعني بأننا يجب أن لا نعممه ككل في هذا العالم , ولا ننسى أيضاً الخطأ الآخر الذي وقع فيه فرويد يمثل بحد ذاته لب موضوع الجنس , ففرويد لم يبالغ في حديثه عن هذا الجانب عندما درج جميع حركات وسلوكيات الأطفال ضمن الإطار الجنسي وحسب , وإنما كان يشير في نظريته الى الهاجس الجنسي

17

الظرفي الذي قد يحدث في حالات شبيهة بالكبت والهستيريا وما شابه , وهو في ذلك يتحدث عن الشحنات الجنسية التفريغية التي يمكن ان نشبهها بطاقات تتراكم خلف سد منيع لكنها سرعان ما تنكفىء

عند تفريغها وتعود لنسبها الطبيعية , طبعا هذا الاستنتاج يشكل عاملا ذا صلة جزئية بموضوع السيكسولوجي (علم الجنس) الذي يمثل علما كبيرا له جوانب وأصول متشعبة لا تقتصر فقط على الشحنات التفريغية المذكورة أعلاه .

أما بالنسبة للعامل الديني الذي في رأي العلماء يمثل علاقة مد وجزر بينه وبين الدافع الجنسي خصوصا في المجتمعات الشرقية , ففرويد هنا تغاضى عن هذه العلاقة عن عمد أو غير عمد عندما هاجم جميع الأديان في كتابه (مستقبل الوهم) واعتبرها ناشئة من قبيل الطوطمية والتمنيات وما شابه دون أن يبين أن هذا العامل يحتل موقعا مهما في النفس البشرية أن لم يتحكم بسلوكها في معظم الأحيان .

نحن لا ننكر ان سيجموند فرويد عالما كبيرا لا زالت مؤلفاته تشهد له بعمق التحليل وعظمة الاكتشاف , ولا ننكر أيضاً أن الدافع الجنسي له الجانب الكبير في تكوين شخصية الإنسان ولسنا هنا نقلل من أهميته بقدر ما نصحح مفهومه خصوصا بأن فرويد بالغ فيه أكثر من المعتاد وأسقطه على النفس البشرية بشكل كلي دون الالتفات لبقية الجوانب وهذه المبالغة تعتبر خطأ يمثل اليوم موضع نقد وتصحيح من قبل

الكثير من العلماء الذين أثبتوا في تجاربهم الحديثة عدم معقولية هذه النظرية قبل خطئها .

18

لغز الحديقة الصخرية

كأن قمم الجبال الملتحفة بالضباب ترحب بقدوم ذلك الرجل الأبيض الوافد من بلاد بعيدة وكأن الرياح المولولة تقوده بعصفها الى اللامتناهي إلى المجهول … فالناس الذين رآهم في هذه البقعة غير الناس الذين يراهم كل يوم, والطقس الذي بدأ يستشعر وقعه تدريجيا في جسده غير الذي آلفه في بلاده .

حينها أدرك بعد تمعن بأنه وسط أرض يطلقون عليها أرض المجد ,أرض الكهنة ذوو الرؤوس الحليقة, أرض الفقراء الناقمين على القدر … أنها الصين التي تتنفس الغموض كل لحظة كما وصفوها الذين جاؤوا قبله , وأمام هذه الصدمة المبررة انتابت جسده رعشة أشبه بزمهرير عابر.

وعندما نزل من سفينته على تخوم المدينة الكبيرة (بكين) راح يتجول في شوارعها بقلق ممزوج بالترقب ورأى العربات الفاخرة التي مرت من أمامه كيف ان العبيد أشباه العراة يجرونها وأعينهم كأنها تنطق لغة لا يفهمها, وكيف ان حراس الكهنة (الحليقي الرؤوس ) يندسون وسط الحشود الغفيرة كأشباح الضحايا الذين لا يراهم غير قاتليهم ! . وعندما أرخى الليل سدوله في تلك البلاد ما زال ويليام – ذلك الرجل الأبيض يتجول في شوارع وأزقة المدينة الى ان اهتدت قدميه الى مدينة المعابد الحجرية وعليها يبرز تمثال “بوذا” القديم في وضع متربع الى الأرض, الآلهة الحجرية كأنها في أصطفافها الدائري تتراقص من حوله كفتيات رشيقات في عرض يقمن به أمام جمهور المسرح !.

كل شيء هنا هادىء حد السكون حتى الاحتفالات الليلية التي تقرع فيها الطبول وتطلق فيها الألعاب النارية بالرغم من صخبها وضوضائها المتصاعد إلا أنها تحمل في عمق ذلك الصخب والضوضاء أجل معاني السكون الذي قد يمهد للثورة القادمة كما قال له أحد المسنين في السفينة , لكن الناس عامة كانوا في بكين يحتقرون اليابان ويعتبرونها العدو الأول لهم قبل الرجال البيض لأسباب كثيرة ومعروفة .

الله القوة البشرية الديدان الأرضية … كلها لا تعني لهم شيئا غير الوجود الذي ما زالوا ينسبونه للامرئي الأكثر رصانة وعمقا فالوجود هناك ليس الذي نعرف في بلداننا بل هو أكبر من ذلك بكثير, فمن يشاء ان يبحث عن سر الوجود في بكين سيعثر عليه بين يدي بوذا الحجرية !.

لم يرى ويليام الصين العظيمة بمدنها الفخمة وشوارعها العريضة بل رآها عالم لا مرئي يسبح في أحشائه

19

يخترق الحدود المرسومة ويدور حول نفسه ألف مرة ومرة ويعود الى النقطة التي بدأ منها وهكذا …. كان تمثل له الصين الصراع

الأزلي الذي نمثل نحن وقود استمراره في هذا الكون, يتمركز في تلك البقعة بل يحيى منها مغطيا الأفاق كسحب متخمة .

بوذا المتربع الذي رآه اليوم كان يمثل بالنسبة له أرواح مليار صيني مختبئة خلف هذا الهيكل الحجري الذي تجذرت من مساماته “زهرة اللوتس” التي لن يستنشق رحيقها للوهلة الأولى غير المسافرين الغرباء كما يقول الرهبان والفلاسفة الصينيين !.

هكذا أخبره ليتي وهو أحد أبناء وجهاء بكين المتعصبين بأن الصين ليست دولة مثالية فحسب بل هي سر السكون والحركة في هذا العالم , سر المحبة والكراهية تجاه البيض الغرباء !.

عندها تمتم وليام له قائلا : “كيف يمكن ان يجتمع شعور الحب والكراهية معا تجاه الآخر ؟!” رد عليه بابتسامة صفراء قائلاً: ” أرجو أن لا تكتشف ذلك بعد فوات الأوان يا صديقي“. !” .

حينها لزم الصمت الذي أجبره على كتمان ما سيستطرد … فذلك كان أفضل بالنسبة لوافد جديد على أية حال !.

طوال الطريق لم يفتح كلاهما فمه للآخر الى ان وجدا نفسهما وسط بيت أبيه العجوز الذي لم يكن أقل حبا و تعصبا لبلده من ليتي و عندما دخل عتبة البيت أثارت نقوش لمحاربين على الجدران دهشته ليس لرونقها الغير مسبوق فحسب , بل لأن هذه العيون في النقوش كأنها كانت تحدق أو ترحب به ربما ! .لكن هذا لم يمنع قلقه من نظرات العجوز إليه التي هي الأخرى زرعت فيه شيئا من الذعر ومن ثم قال العجوز بنبرة واثقة من دون مقدمة أو حتى ترحيب : ” ليست هناك ثورة قادمة بل الثورة قائمة فينا وفي أسلافنا منذ الأزل يجب ان تعلم ذلك جيدا أيها الغريب ” .

لم يشأ وليام ان يلح بأسئلته أكثر ويظهر المزيد من عدم الدراية والتخبط لأن ذلك قد يفقده اتزانه أمامهم و قد يشعره بالعار الذي لن يصمد طويلا أمام أعراف بكين الجبرية ولهذا السبب التزم الصمت دون ان

20

يسأل أو يناقش. لكن يبدو ان العجوز هذا لم يخبره عن نفسه أكثر وخصوصا ان هناك شائعات سمعها من الصينيين الذين كانوا معه على متن السفينة تقول ان ابنته “سيولان ” شقيقة “ليتي ” هي جندية في الجيش الياباني , لكنه لم يشأ ان يستفسر عن سبب ذلك لأن هذا الأمر سيحرجهم بالتأكيد و خصوصا أنه ما زال ضيفا عليهم وغريبا على هذه الأرض في آن . .

وعندما قضى ليلته الكاملة مع العجوز وولده قرر بعد وليمة فخمة قرر الخروج في الصباح الباكر بعد ان ودع الضيفين بشيء من برود الأوربيين المعروف. .

لم يشأ ان يكتشف اكثر ويحل لغز هذه البلاد الذي ما زال عالقا في ذهنه لكنه على الأقل لمح شيئا منه في عيون المحاربين وعيون العجوز معاً . لكن ذلك لا يعني ان تكون عبثية الأعراف القبلية هذه هي اللغز الذي يبحث عنه ولا حتى أضحوكة النظام التي دائما ما نتمشدق بها نحن البيض أمام الخصوم إذن أين اللغز ….؟؟ .

هكذا استطرد في سره بعد ان أخذ نفسا عميقا قائلا : “لا يمكن ان يكون تاريخ هذه البلاد العريق هو اللغز الذي أبحث عنه فهذا قد يكون من قبيل اللغط و الحماقة ربما … لأن التاريخ بالنسبة لي حكايات تتناقلها العجائز الثرثارات لأحفادهم قبل نومهم, أو أشعار وخواطر يسردها المشردون على المواقد المشتعلة في الليالي الباردة , فاللغز الذي ولدت منه بكين لا يمكن ان يكون من قبيل كلمة شفهية أو حبر متزمت أو حتى حلم.

راح يسير هائما بين الطرقات دون ان يعي في أي مأوى ستهتدي قدميه هذه المرة . كان يروم الخروج من هذه الأسئلة الملحة لكنه قرر التريث والانتظار قليلا.

وبين هذا التخبط المتباعد الزوايا ارتسمت على مخيلته فجأة صورة لحديقة غامضة الملامح تملأها صخور غير منتظمة الأحجام في وضع فوضوي رتيب لم تعر مخيلته اهتماما لمظهرها في بادئ الأمر لكن كان شيء ما أكثر أهمية يحركه من الداخل شيء وراء هذه الصورة يختبىء تحت هذه الصخور, شيئا كان يمثل بالنسبة إليه معنى الحب والكراهية مجتمعين! , جنات التقديس وجحيم الرذيلة , صراخ الغضب وهدوء الحكمة, شجر العفة وأوراق السقوط. لم تكن هذه الصورة سوى لحديقة صغيرة ,لكن صخورها الفوضوية تلك كانت تمثل في مخيلته جميع تناقضات البشر والإله التي وجدها في الصين قبل ان تصبح

21

أرضا شاسعة كالتي نعرف اليوم.

. كانت هذه المخيلة بالرغم من رمزيتها المعقدة إلا إنها أنارت فيه الشيء اليسير من حيرته الطويلة لكنها لم تجرؤ على حل ذلك اللغز الدفين الذي سيظل صداه يرن في آذانه حتى بعد عودته من بكين !.

22

تساؤلات مجنون !.

لم أنفك من محاولاتي اليائسة للإجابة عن تساؤلات ما زالت عالقة في ذهني حتى الساعة أرتب لها الاحتمالات وأضع لها الفروض دون وعي مني!. من نحن…؟ لماذا خلقنا في هذه الكرة الأرضية ..؟ ولماذا نعيش فيها لتكون بانتظارنا أقبية صغيرة مظلمة ؟ ولماذا … ولماذا …. الخ كأني بهذه التساؤلات ذلك الحصان البليد الذي يهرول في الطريق دون أن يلتفت الى الوراء, وكأني أيضاً بهذه التساؤلات ذلك المهرطق الذي خسر كل دعوته بعد ان بذل كل الجهود في سبيلها (ان لم تكن المحرقة بانتظاره …) .ربما هو العدم يقودني الى هذه التساؤلات بعد ان سلمت بأن الإجابات هي الأخرى من نصيبه !, أما الوجود فكنت أدرك مغزاه عندما أتأمل قطرة ندى تتدلى من غضن مهجور , ورذاذ مطر يتسلل لنافذتي كاللص , وبركة نائية أرمي عليها الحصى تلو الآخرى مستلهماً بذلك جمع شتات خواطري التي لو لا هذا الوجود لما أبصرت النور !. في الليل سرعان ما استلقي على جداري أشعل بزهوٍ غليونتي أتأمل دخانها الأزرق وأعيش كل لحظاته, وأترقب سكون الظلام مندمجاً مع حساب نجومه علي أتبين الرقم الحقيقي لها !, وعند طلوع الصباح سرعان ما تعاودني هذه التساؤلات دون سابق إنذار ولم يكن أمامي للخلاص منها غير الذهاب الى الحانة القريبة من بيتي أرتوي من نبيذها العتيق وأردد جملاً عبثية لم تعد تنفع غير كهل مثلي يقاسم يصارع مع أفكاره في كل زقٍ يحتسيه. كنت منذ صباي هائماً بين صفائح القمامة أبحث عن بقايا كتب وصفحات جرائد أفترشها عندما أنام تحت أرصفة الشقاء وأنثرها على موقد النار عندما يحل جبروت الشتاء ,كنت منذ صباي أمقت الكتب المدرسية التي ما زالت تمثل لدي هاجس قلق وسأم الى اليوم كلما أحدق في سطورها وأتأمل صورها لأني ببساطة لم أحصي شيئاً منها غير الرسوب وكل ما كان ينتظرني من عقاب يتراوح بين الضرب بالعصي والتقريع اللفظي . لم يكن أمامي في ذلك الوقت غير الهرب والبقاء في العراء طوال النهار في انتظار الليل الذي سيجبر ساقي على العودة خلسة حافي القدمين !. الحقيقة: إحدى التساؤلات التي كنت دائماً أبحث عنها في جميع الوجوه التي أصادفها بل في كل الأشياء البسيطة المتاحة أمامي لكني لم أعثر على شيء منها غير سراب يهرول من أمامي كلما خطوت نحوه . أما

23

خيالي فكنت ألتجئ إليه بين الحين والآخر ليس هرباً من هذا السراب وحسب بل لأسرح معه نحو تلك القصور الفارهةولمعابد الأسطوريةالتي تقيم فيها ملكات قديم الزمان أرتشف أكسيرهن واستحم من عطرهن وأمثل لهن دور العرافين والمنجمين أقرأ لهن الطالع تلو الطالع… بدراية بقراراتهن بأن نبوءاتي لا تعدو مجرد تسالي يتشبثن بها هرباً من شبح فراغهن !.

الهاوية :هي آخر تساؤل أعجز عن الإجابة عنه ربما هي نهايتنا الحتمية نسير إليها دون وعي ونسبح في شواطئها العائمة كل لحظة ونبذر في أرضها الجرداء , و نحفر فيها الجداول والأخاديد , نفعل بها ما نشاء دون دراية منا بأنه سيأتي اليوم الذي تبتلعنا فيه لنغدو بهذه النهاية المأسوية تاريخ يردد على مسامع التلاميذ وحواتيت ينام على أنغامها الأطفال الصغار!. في نهاية تساؤلاتي قررت أن أسلك طريقاً آخر غير الطريق الذي اعتدته اليوم أكرس أوراقي وقلمي للمجانين وحدهم وكل ما يتعلق بهم أرثي لحالهم وأنادي برفع المظالم عنهم , كوني أعيش خارج المصحات التي يقبعون فيها لا أعاني من هول الصعقات ولا من تأثير المهدئات كما هو الحال لديهم , رغم يقيني بأني سأساق الى ذلك العالم الموحش في يوم من الأيام

24

المجتمع العراقي بين صراع البداوة والحضارة

قبل ان نوغل بدراسة طبيعة المجتمع العراقي وما يرتبط به من أسس ومقومات, لا بد لنا أولا ان نعرف مفهومي الحضارة والبداوة بشيء يسير . لبداوة نعني بها من الناحية العلمية نظام اجتماعي منشؤه الأساس البيئة الصحراوية القائمة على الرعي و التنقل, حيث يتميز افراد هذا المجتمع او النظام بميزات كثيرة تتعلق بالعصبية القبلية التي تعتبر بمثابة ايديولوجية نشوء الدولة بالنسبة لهذا النظام , ناهيك عن ميزات اخرى تتعلق بمفاهيم الغزو والخشونة الذي يتميز بها أفراد هذا المجتمع, والتي أوجدتها بطبيعة الحال ظروف البيئة الصحراوية المعروفة لدى الجميع .

اما بالنسبة للحضارة فهي تشترك مع البداوة في التعريف لكنها تختلف عنها اختلافا جذريا من حيث ميزاتها الكثيرة التي نذكر منها قيام الدولة وأركانها بالمعنى الدقيق للكلمة , (خلافا لنظام العصبية العشائرية الموجود لدى المجتمع البدوي), ولا ننسى ايضا النظام الحضري الذي يتقاطع مع سابقه من حيث تبني هذا النظام عوامل الإنتاج الإقتصادي و الثقافي, فضلا عن تشجيع العلوم والفنون بشتى أنواعها , أما المدينة فتعتبر الموطن الأصلي لهذا النظام التي تتميز هي الأخرى بالثبات والإستقرار, بخلاف البيئة الصحراوية القائمة على الرعي والتنقل كما أشرنا.أما أفراد هذ المجتمع فنرى عوامل العصبية والخشونة تكاد تكون ضئيلة لديهم بسبب تأثير البيئة الحضرية .

فحديثنا في هذا الموضوع يتناول بشيء من الإسهاب طبيعة المجتمع العراقي, الذي يعتبر بمثابة حلقة وصل بين نظام البداوة والحضارة ان لم يكن بتعبير أدق حلقة تتوسط الصراع بين هذين المفهومين وذلك لأسباب وجوانب كثيرة , فإذا تناولنا مثلا الجانب التاريخي لعلمنا أن أول حضارة نشأت الى الوجود هي بابل التي كان العراق موطنها الأم, فكلنا يعلم كم كانت بابل متميزة بأصالتها وعراقتها ناهيك عن ما توصلت إليه من علوم وإبداعات, لا زالت اليوم حديث الكثير من العلماء والمهتمين .

اما بالنسبة الى الجانب الجغرافي او المناطقي فيجبأن لا ننسى أن العراق يقع على حافة الصحراء مباشرة, دون وجود حد فاصل وبالتالي فهو يعتبر منفذا سهلا لقدوم الموجات البدوية إليه بشكل متتابع وهذا ما حدث على مر التأريخ .

إذن وجود نظامين نقيضي داخل قطر واحد خلف فيما بعد الكثير من السلبيات والإزدواجيات, انعكست هذا على المجتمع الذي لا زلنا نعيش سلبياته وازدواجياته الى اليوم, فتارة نجد فيه مناطق تتمسك بشكل كبير بالعادات والسلوكيات البدوية وهي المناطق التي نصطلح على تسميتها بالقرى والأرياف وتارة أخرى نجد مناطق تتبنى القيم الحضرية وتتمسك بها وهي أيضا ما نصطلح على تسميتها بالمدن, فهذا المد والجزر المتراوح بين النمط البدوي من جهة والنمط الحضري من جهة أخرى كان يقف وراء الكثير من سلوك الأفراد العراقيين القائمة على لتناقض والتذبذب في اغلب الأحيان فالعادات والتقاليد البدوية مسيطرة عليهم من جهة, والقيم والاتجاهات الحضرية مسيطرة عليهم من جهة أخرى, ونستطيع من خلال هذا الصراع الذي يعتبر المجتمع العراقي إحدى نماذجه أن نعود الى الجذور التاريخية القديمة التي ظهرت في عهد آدم الذي كان يمثل الثمار الأولى للصراع الصراع بين البداوة والحضارة وقصة هابيل وقابيل خير دليل على ذلك .

اما بالنسبة للمجتمع العراقي فلا اعتقد بأنه سيزيل عن جسده تراكمات هذا الصراع الذي يعد بمثابة وجود فرض عليه بشكل أزلي, فكلما سار بنا الزمن الى الأمام ظهرت بوادر هذا الصراع بشكل أكبر وهكذا…, وهذه الدينامكية تعتبر بالنسبة لنا مغزى لم نكن لندركها دون أن نكون نحن جزءا رئيسيا من هذا الصراع أن لم نكن وقودا لاستمراره

25

ذات القبعة الحمراء (ليلى والذئب )

إن حكاية “ذات القبعة الحمراء ” هي بالحقيقية لا يمكن أن ندرجها ضمن حكايات الأطفال القائمة على التسلية والترفيه فحسب ,بل يمكن ان نعتبرها موجهة الى عقول الكبار (رغم أنها في الظاهر تبدو تخاطب عقول الأطفال ), ومن هنا تلعب اللغة الرمزية دوراً مهماً في هذه الحكاية فإذا ما فسرناها انطلاقاً من هذه اللغة سنجد بأنها مثال مناسب على آراء فرويد أو نموذج لموضوع الصراع الأبوي –الأمومي أو الصراع بين الرجل والمرأة بتعبير أدق والذي لمسناه على سبيل المثال في ثلاثية “أوديب”, و”أسطورة التكوين” البابلية وغيرها كثير . وتنص الحكاية على ما يلي : ” كان في قديم الزمان فتاة صغيرة حلوة أحبت كل إنسان نظر إليها مجرد نظر , على أن أكثر من أحبتهم كانت جدتها التي لم تعرف أي شيء كان عليها أن تهبه للطفلة . وذات مرة أهدتها قبعة من المخمل الأحمر , ولما أن هذه القبعة ناسبتها تماماً صارت تلبسها دائماً سيمت “بذات القبعة الحمراء ” . وذات يوم قالت لها أمها : ” تعالي يا ذات القبعة الحمراء , هذه قطعة من الكعك وزجاجة نبيذ , خذيهما الى جدتك, فهي مريضة وواهنة القوى , وستنتعش بهما . انطلقي قبل أن يشتد الحر . وإذا خرجتي فامشي بأدب ولاتحيدي عن الطريق وإلا سقطت وكسرت الزجاجة ,ولن تحصل الجدة على شيء . وإذا دخلت غرفتها فلا تنسي أن تحيي تحية الصباح ولا تجوسي بعينيك في أرجاء الغرفة “. قالت ذات القبعة الحمراء لأمها :” سأقوم بكل شيء على أحسن وجه “. وصافحتها مؤكدة وعدها . أما الجدة فكانت تسكن في الغابة على مسافة نصف ساعة من القرية . وحين وصلت ذات القبعة الحمراء الى الغابة التقاها الذئب . لكن ذات القبعة الحمراء لم تعرف أي صنف من أصناف الحيوانات الشريرة كان هذا الحيوان ولم تخف منه . قال الذئب :” صباح الخير يا ذات القبعة الحمراء ” . ” شكراً جزيلاً يا ذئب ” . ” إلى أين في مثل هذه الساعة المبكرة , يا ذات القبعة الحمراء ؟”– ” إلى الجدة”– ” وماذا تحملين تحت المئزر ؟” – ” كعكة ونبيذاً , أمس عملنا كعكة , ولا بأس أن ترفه جدتي المريضة عن نفسها قليلاً وتقوي نفسها بذلك ” . ” وأين تسكن جدتك , يا ذات القبعة الحمراء ؟”. قالت ذات القبعة الحمراء : ” على بعد ربع ساعة من هنا , في الغابة , تحت شجرات البلوط الثلاث ,

26

هناك بيتها , وتحت يوجد سياج الجوز , ولاشك أنك تعرف هذا “ قال الذئب في ذات نفسه :” هذه الطفلة الصغيرة الناعمة , إنها لقمة سائغة وستكون أكثر مستساغاً من العجوز , وما عليك إلا أن تبدأ في دهاء ومكر لكي تفترسهما كلتيهما ” . ومشى قليلاً الى جانب ذات القبعة الحمراء ثم قال :” يا ذات القبعة الحمراء , انظري الى هذه الزهور الجميلة من حولك , ولماذا لا تجيلين النظر فيما حولك ؟ أظن أنك لا تسمعين أبداً كيف تغني الطيور غناًءً لطيفاً؟ تسيرين وحدك وكأنك سائرة الى المدرسة , وكل شيء في الغابة سار ومفرح ” . وفتحت ذات القبعة الحمراء عينيها . ولما رأت أشعة الشمس وهي تتراقص بين الأشجار وكل شيء يحفل بالزهور الجميلة خطر ببالها :” ماذا لو أحضرت لجدتي باقة زهور نضرة , فستفرح بها . والوقت مبكر جداً والنهار لا يزال في أوله وسأصل في الوقت المناسب “. وتركت الطريق وجرت إلى الغابة بحثاً عن الزهور . وكلما قطفت زهرة ظنت أن هنالك زهوراً أجمل وجرت وراءها وتوغلت في الغابة . أما الذئب فقد سار على فوره إلى بيت الجدة ودق الباب . ” من في الخارج ؟” – ” ذات القبعة الحمراء التي أحضرت لك الكعكة والنبيذ , افتحي ” . صاحت الجدة : ” ما عليك إلا أن تضغطي على الاكرة فقط فقواي واهية ولا استطيع النهوض ” . وضغط الذئب على الاكرة وانفتح الباب , ومن دون أن ينطق بكلمة مشى مباشرة إلى سرير الجدة وابتلعها . ثم لبس ثيابها ووضع قلنسوتها على رأسه وتمدد في سريرها وأنزل الستائر . أما ذات القبعة الحمراء فقد راحت تبحث عن الزهور . ولما جمعت الكثير منها بحيث لم تستطع أن تحمل المزيد خطرت الجدة ببالها مرة أخرى . ومضت إليها . واستغربت جداً وفكرت : ” يا إلهي , كم ساورني الخوف في هذا اليوم , وكم يطيب لي أن أكون عند الجدة ! ” وصاحت :” صباح الخير ” لكنها لم تتلق جواباً . وهنا توجهت إلى السرير وأرجعت الستائر : واذا الجدة استلقت وأغرقت وجهها بالقلنسوة وبدت غريبة . ” يا سلام يا جدتي , كم عيناك كبيرتان !” –” لكي أراك بهما على نحو أفضل “يا سلام يا جدتي , كم يداك كبيرتان “– ” لكي أستطيع أن أمسك بك على نحو أفضل“. ” ولكن يا جدتي , كم فمك كبير !” – ” ولكي أستطيع أن ألتهمك على نحو أفضل “. وما تفوه الذئب بهذا حتى قفز من السرير والتهم المسكينة ذات القبعة الحمراء .

27

ولما كان الذئب أشبع رغباته عاود الاستلقاء في الفراش ونام ,وأخذ يشخر شخيراً عالياً . وفي تلك اللحظة مر الصياد بالبيت . وقال في نفسه :” يا لشخير المرأة العجوز , عليك أن ترى ما إذا كان بها سوء “. وعندئذ دخل الغرفة . ولما تقدم من السرير رأى أن الذئب كان فيه . قال :” أهنا أجدك أيها الآثم , لقد بحثت عنك طويلاً”. وهنا أراد أن يصوب بندقيته , فخطر بباله أن الذئب قد يكون افترس الجدة وقد يسعه انقاذها . فلم يطلق النار , بل تناول مقصاً وراح يشق بطن الذئب النائم . وما إن فتح البطن قليلاً حتى رأى ذات القبعة الحمراء تتألق ثم تابع الشق , عندها قفزت الفتاة وصاحت :” يا للخوف الذي خفته , كم كان المكان مظلماً في بطن الذئب ! ” كما أن العجوز خرجت حية وأوشكت أن تختنق . على أن ذات القبعة الحمراء أسرعت وأحضرت حجارة كبيرة لتملأ بها بطن الذئب . ولما استيقظ الذئب أراد أن يقفز عالياً , على أن الحجارة كانت ثقيلة جداً بحيث أنه تهالك إلى الأرض وسقط ميتاً. وهنا ابتهج الثلاثة . وسلخ الصياد جلد الذئب , وعاد به إلى البيت , وأكلت الجدة الكعكة و شربت النبيذ الذي كانت ذات القبعة الحمراء أحضرته وتماثلت للشفاء . أما ذات القبعة الحمراء فقد قالت في ذات نفسها :” لن تغادري الطريق وحدك طوال حياتك وتخرجي إلى الغابة إذا ما منعتك أمك عن ذلك” وهنا انتهت القصة وتفسير رمزيتها يكمن في إن ” القبعة الحمراء ” رمز للحيض .وإن الفتاة الصغيرة التي نسمع عن مغامراتها أصبحت امرأة ناضجة وترى نفسها الآن وهي تواجه حياتها الجنسية . فالتحذير الأول ” ألا تتحول عن الطريق أو تحيد عنه ” و ” ألا تسكر الزجاجة ” إنذار واضح بمخاطر الجنس وفقدان البكارة . ويثير منظر الفتاة شهوة الذئب الجنسية ويحاول أن يغريها بأن يقول لها :” أنظري إلى هذه الزهور الجميلة التي تحيط بك , لماذا لا تنظرين فيما حولك ؟ أظن أنك لا تسمعين أبداً كيف تغني الطيور الغناء اللطيف ؟ ” “وتفتح عينيها ” ذات القبعة الحمراء , فهي تمتثل لنصيحة الذئب “و تتوغل في أعماق الغابة” . وهنا تصطنع وسيلة عملية نفعية مميزة : فلكي تقتنع هي بأنها لا تجافي الصواب تقول لنفسها إن الجدة ستفرح بالزهور التي قد تجلبها لها . على أن هذا الخروج من درب الفضيلة المستقيم يعاقب عليه العقاب الشديد . فالذئب يتزيا بزي الجدة ويلتهم ذات القبعة الحمراء البريئة . وحين يشبع نهمه ينام .

28

وإلى ذلك الحد يبدو أن الحكاية لا تتناول إلا الموضوع الواحد الذي يعبر عن مسألة أخلاقية وهو خطر الحياة الجنسية . على أنه موضوع بالغ التعقيد . فأي دور للرجل في ذلك ؟ وكيف يتم تصوير الحياة الجنسية ؟. فالرجل يظهر في صورة حيوان ماكر غير مكترث , ويتم تصوير الفعل الجنسي بأنه عمل حيواني وحشي يلتهم فيه الرجل المرأة . فالنساء اللواتي يحببن الرجال وينبسطن بالنشاط الجنسي لا يشاطرن هذا الرأي . فهو تعبير عن عداء دفين للرجال والنشاط الجنسي . على أن الحقد على الرجال والتحيز ضدهم يبرزان في نهاية الحكايات على نحو واضح . فهنا أيضاً , كما في أسطورة التكوين البابلية , يجب أن نتذكر أن تفوق المرأة ينحصر في أنها تستطيع أن تنجب أطفالاً . وكيف يتعرض الذئب للهزء والسخرية ؟ بأن يوصف وهو يحاول أن يقوم بدور امرأة حامل في بطنها أحياء . وتضع ذات القبعة الحمراء في بطنه حجارة هي في الحقيقة رمز للعقم . ويخر الذئب وينفق . وتبعاً لقانون القصاص القديم يطبق على فعلته ما يطبق على الجريمة : فالحجارة هي رمز العقم تميته . وبهذا يتعرض تطاوله لأن يقوم بدور المرأة الحامل للهزء والسخرية . وهذه الحكاية التي شخصياتها نساء ينتمين إلى أجيال ثلاثة (والصياد هو في النهاية شخصية الأب التقليدية التي ليس لها وزن حقيقي ) تتناول الصراع بين الرجل والمرأة . أنها قصة انتصار نساء يكرهن رجالاً وتنتهي بانتصارهن . ونستطيع أن نصفها بأنها النقيض التام لإسطورة أوديب التي يبرز فيها الرجل ظافراً.

29

أهمية اللغة الرمزية في رواية القضية

لا يخفى على الكتاب والأدباء الدور الذي تلعبه اللغة الرمزية في تصوير رواية القضيةلفرانز كافكا بل هي تكاد أن تكون مثال رائع على عمل فني كتب بهذه اللغة ان صح التعبير . ولكي نفهم هذه الرواية العالمية يجب أن نقر وكأننا نستمع الى قصة حلم طويل معقد تجري فيه حوادث خارجية في المكان والزمان ,هي في الحقيقة ليست حوادث خارجية بقدر كونها تمثل أفكار ومشاعر الحالم ,والحالم هنا بطل الرواية ك“.

تبدأ الرواية بجملة فيها شيء من الغرابة : ” لا بد أن يكون أحدهم وشى بيوسف ك , إذ أنه من دون أن يكون فعل شراً ألقي القبض عليه ذات صباح “. وتصطنع القصة الصريحة مفهوم التوقيف . أما المعنى الرمزي الذي يهمنا هنا فهو الحبس . ويشعر ك في هذه الحالة أنه معوق ومحاصر ..

ومن هنا تبرز اللغة الرمزية أكثر عندما تحاكي صوت الضمير الإنساني لبطل الرواية الذي يمثل شخصية المراقب الذي يشغل في تسلسل رتب المحكمة مكانة عالية . يزداد الصوت وضوحاً ويطرح عليه ك كل الأسئلة الممكنة , فبأي تهمة هو في الحقيقة متهم؟. وفي إجابته على ذلك يبدي المراقب ملاحظة تتضمن أهم الايضاحات و الاستكشافات التي استطاع ك أن يطلع عليها وهذا ما يحدث لكل إنسان يجد نفسه في مأزق ويبحث عن عون . ويقول المراقبفي الرواية :” ولكنني إذا لم أجب على أسئلتك أيضاً فأنني أنصحك على الأقل بأن تقلل من تفكيرك بنا وبالشيء الذي سيحدث لك , والأحرى أن تفكر بنفسك “. ولا يفطن ك الى ما يرمي إليه المراقبفي قوله هذا , ولا يفطن الى أن المشكلة قائمة في ذاته وأنه هو وحده قادر على أن ينقذ نفسه . أما الحقيقة أن لم يستطع أن يمتثل لنصيحة المراقب فهي دليل على أنه يجب أن يسلم بالهزيمة في آخر المطاف .

وينتهي المشهد الأول بملاحظة أخرى للمراقب تلقي مزيداً من الضوء على نوع الاتهام وسبب القبض عليه إذ يقول :” أنت مقبوض عليك , وبكل تأكيد , على أن هذا لن يمنعك من أن تمارس وظيفتك !”.

ومع أنه سمع صوت ضميره , لكنه لا يفهم نفسه أو لا يريد أن يفهم نفسه . وبدلأ من القيام بالمحاولة ليفهم السبب الحقيقي للقبض عليه يتوخى أن يتحاشى كل نوع من أنواع المعرفة , وبدلأ من أن يساعد نفسه بالطريقة الوحيدة التي يمكن أن تساعده بأن يعرف الحقيقة . ويحاول أن يتغير فإنه يبحث عن مساعدة حيث يستحيل عليه إيجادها بحكم شخصيته التي اعتادت أن تتلقى من الآخرين دون أن تعطي , ويؤكد دائماً براءته في كل شيء ويأمر الصوت الذي أسر له بأنه مذنب بأن يلزم الصمت .

لكنه اعتاد على في حياته الوظيفية على الطاعة والتنفيذ , وبالتالي نسى ضميره الإنساني الذي يمثله شخصية المراقب ورجل الدين في الكنيسة , الذي تصوره الرواية تصويراً رمزياً . أما الضمير المستبد فتمثله المحكمة والقضاة والمستشارون والمحامون الفاسدون والآخرون الذين لهم علاقة بالقضية .

ويقوم خطأ ك في الرواية على أنه يسمع صوت الضمير الإنساني , لكنه مع هذا يظنه بالخطأ صوت الضمير المستبد , كما أنه يدافع عن نفسه أمام السلطات التي ادعت عليه بأن يذعن لهم أو يثور عليهم بدلاً أن يقاتل من أجل نفسه باسم الضمير الإنساني .

30

وعند نهاية رحلته يقترب من الحقيقة أكثر من أي وقت آخر . فهو هذه المرة يستمع الى صورة ضميره الإنساني الذي يمثله رجل الدين في الكنيسة الذي كان يقف أمامه بهدوء على المنبر إذ قاله له : ” أنت متهم” . ليتبين رجل الدين فيما بعد بأنه كاهن السجن المعاون .

كما سأله رجل الدين :” هل تدري بأن قضيتك لا تبشر بخير “.

فرد عليه ك بالقول :” يبدو لي الأمر هكذا أيضاً . لقد بذلت كل الجهود , ولكن الى الآن بدون نتيجة “.

ثم سأله الكاهن : ” وكيف تتصور نهايتك ؟“.

قال ك :” سبق لي أن فكرت في الأمر يجب أن ينتهي نهاية طيبة . والآن يساورني شك في ذلك أحياناً. ولست أدري كيف ستؤول الأمور . فهل تعرف ؟“.

فرد الكاهن : ” لا . على أنني أخشى أن تنتهي نهاية سيئة . فالناس يحسبونك مذنباً . وقد لا تخرج قضيتك عن نطاق محكمة وضيعة. ويرى الناس بصورة مؤقتة على الأقل ذنبك مؤكداً“.

قال ك :” لكنني لست مذنباً , إن هذا خطأ . أنى للمرء أن يكون مذنباً , فنحن كلنا هنا بشر , أحدنا مثل الآخر “.

ويقول الكاهن :” هذا صحيح , ولكن المذنبين يتكلمون هكذا عادة “.،وهكذا يستمر الحوار الطويل بين ك ورجل الدين الذي هو الآخر بمثل صوت ضمير ك الإنساني كما ذكرنا . ثم يكتشف بعد نهاية الحوار بأنها المرة الأولى التي اتضح فيها ليوسف ك كم كانت حياته جشعة متهالكة على الدنيا وفارغة وانها المرة الأولى التي يستطيع أن يرى فيها امكانية الصداقة والتضامن الانساني . ووقعت نظراته على آخر طابق من طوابق البيت الملاصق للمقلع . ومثلما يخفق ضوء شعاع , هكذا تباعد مصراعا نافذة هناك , إنسان ما ضعيف وهزيل يميل بجسده الى الأمام بهزة ويمد ذراعيه الى أبعد حد من أجل أن يستعطي . ومن كان هذا ؟ صديق ؟ إنسان طيب؟ أحد المشاركين ؟ شخص كانت نيته المساعدة ؟ هل كان بمفرده ؟ أكان هو الكل ؟ أكانت هناك بقية من المساعدة ؟أكانت هناك بقية من الاعتراضات التي نساها المرء ؟ ومن المؤكد أنه كان هنالك شيء من هذا القبيل . حقاً أن المنطق لا يتزعزع , لكنه لا يصمد أمام إنسان يريد أن يعيش . هنا تكمن أهمية الرواية التي تكشفها لنا بجلاء اللغة الرمزية . ولكن بقي سؤال واحد أين كان القاضي الذي لم يكن رآه قط في الرواية ؟ في المحكمة التي لم يكن جاء إليها قط ؟لقد حاول ك طوال حياته أن يجد جواباً على هذه الأسئلة , لأنه في النهاية كان يسأل نفسه بغض النظر عن المراقب ورجل الدين أو بمعنى آخر , أن يترك آخرين يجيبون عنها . وفي تلك اللحظة يطرح أسئلة هي الأسئلة الصحيحة . والخوف من الموت , ليس غيره , يمنحه القوة ليفهم إمكانية الحب والصداقة , ويؤمن على نحو غير معقول أول مرة بالحياة في لحظة الموت التي كانت تمثل الجزء الأخير لهذا الحلم الطويل

31

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s