الكتاب المسجون ، الحسين سليم حسن ، قصة قصيرة

553217_316564658470778_8094740_n

لتحميل الكتاب:
https://www.4shared.com/web/preview/pdf/WuMzLTncee
أو:
https://de.calameo.com/read/005270298b41a477c2544
لقراءة الكتاب: تابع للأسفل

اسم العمل : “الكتاب المسجون

اسم المؤلف :الحسين سليم حسن

نوع العمل : قصة قصيرة

رقم التسلسل 64

الطبعة: الطبعة الالكترونية الأولى6تشرين الأول – 2018م

تصميم وتنسيق ومراجعة : ريبر هبون
الناشر: دار تجمع المعرفيين الأحرارالالكتروني

جميع الحقوق محفوظةللمؤلف

حقوق نشر الكتاب محفوظة للمؤلف والنسخة الالكترونية ملك لدار تجمع المعرفيين الأحرار الالكتروني

https://reberhebun.wordpress.com/

لنشر أعمالكم يرجى الاتصال بـ :

reber.hebun@gmail.com

 

 

 

 

 

2

 

 

الحسين سليم حسن

 

 

 

الكتاب المسجون

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قصة قصيرة

 

 

3

 

(( لأن الفنتازيا هي ملاذنا لنكتب دون رعب ))

 

تدور أحداث هذه القصة في ماضٍ غابر لكن السؤال :كم تحررنا من هذا الماضي ؟

أنا كتوب اللص

لم أعد قادراً على تمييز ماحولي ،كلُ ما يحيط بي ضبابٌ كثيف …. أتساءل إن كان ذاك هو الموت ؟لكنني لم أشعر بعد بقبضة الروح التي كلمنا عنها الشيخ زكاء في خطب الجمعة ودروس الدين الأسبوعية لا لا لابد أنني مازلت حياً ،أسمعهم يرشقونني بوابلٍ من السباب والشتائم ،ذاك الأعجمي ذو العينين الوحشيتين ،لابد وأنه أسيرٌ دخل في الإسلام ،وهاهو ينتقم لنفسه بي ،كان سوطه يتفنن بضرباته السريعة واللاذعة ،كما لو أنه ريشةٌ في يد (سليم ) أمهر الخطاطين في الوراقة لدينا ،وأشدهم غروراً وتعجرفاً كلاهما بلا رحمة ، سليم الذي حولني من خطاطٍ بسيط إلى لص كتب . كنت خطاطاً أقصى سعادته أن يغرق بين الورق والحبر يخط الأحرف بأناقة ،وتتراقص أصابعه على لحن الكلمات .

والآن أنا لصٌ قذرٌ بين يدي الدرك يخطون بسوطهم ندباً على جلدي .ذاك الأعجمي الذي لا يشبه بني آدم بقناعه الأسود وأسنانه الكبيرة الصفراء كأسنان حيوانٍ متوحش أنهى وجبته للتو .

إذا كان دخوله في الإسلام خوفاً على نفسه قد حوله إلى هذا الوحش الماثل أمام عيني فكان من الأفضل أن يبقى كافراً . أتساءل مارأي الشيخ زكاء في هذا ؟ لابد وأنه كان سيؤنبني لو سمع مني هكذا كلام ،إذاً مارأيه بما يحدث لي ؟ ألم يقل لنا أن الإسلام دينٌ جاء ليحرر العبيد والضعفاء .

إذا كان ديننا الذي دافعت عنه دوماً جاء لينشر العدل ، فلماذا يحدث معي هذا في بلادنا التي تدعي بأنها تطبق الدين على أكمل وجه ،وأن حاكمها المبجل يستمد قوته وحكمته من الله سبحانه وتعالى . لا بد وأنني أهلوس الآن ،الآلام التي أشعر بها تفقدني عقلي .

كنت في طريقي إلى معلمي لإيصال مسروقات الكتب التي حظيت بها اليوم عندما توقفت عربة الدرك بجانبي وترجل منها أربعة مقنعين بأجسادٍ هائلة ،وانهالوا عليّ بالضرب والجلد ،ثم قاموا بحملي ورميي في قفص العربة المزخرف من الداخل بعبارات (( الله هو العدل )) ، (( الله هو الحق )) مخطوطة ً ربما بخط الثلث ،أحبُ الخطوط لدي ،أوربما لم تكن مخطوطة بذلك الخط وأن مارأيته مجرد هلوسة إثر الضربات العنيفة التي تلقيتها فوق رأسي .

تعجبت لهذا الاهتمام البالغ بتذهيب وتأنيق قفصٍ صنع أصلاً لتعذيب العباد .

أدرك الآن أنني مازلت حياً ،أشعر باهتزاز العربة وهي تعبر ذاك الجسر المؤدي إلى ساحة المحكمة الشرعية الكبرى ،أيعقل أنهم سينفذون حكم السارق بي فور وصولنا إلى هناك ،هل سيقطعون يدي مباشرةً ودون موافقة المفتي ؟ سأرجوهم عندها أن يقطعوا لي يدي اليسرى ،لايمكنني العيش دون أن أخط الحروف ،سأقول لهم أنني أخط المصاحف الشريفة للمساجد ،سيشكل هذا سبباً مقنعاً ليدعوا يدي اليمنى وشأنها ! ثم أنني الأكثر براعةً في خط الثلث فيالبلاد كلها ،الفضل في ذلك يعود إلى والدي رحمه الله .

كان والدي خطاطاً بارعاً ،لم تسنح له الفرصة لتعليمي جميع الخطوط العربية فقد كنت صغيراً جداً عندما سيق به للقتال في

4

صفوف جيشنا الإسلامي العظيم ضد المتمردين في القسم الجنوبي من البلاد ،ذاك منذ زمنٍ بعيد قبل أن تنقسم البلاد وينفصل القسم الجنوبي ليشكل دولةً مستقلةً كافرة .

كان والدي يصحبني بعد صلاة العشاء في الأمسيات الصيفية الحارة إلى وراقته المتواضعة في أعلى تلةٍ قريبةٍ من منزلنا الريفي الطيني القديم ،الذي دمرته العواصف بعد استشهاد والدي لاحقاً ،يخرج المفتاح الفضي الكبير من جيب سترته المصنوعة من الجوخ الأحمر ،يدير القفل اللامع والمنظف بعناية ثم يمسكني من يدي اليسرى _والتي سيقطعونها ربما بعد قليل _ويشد عليها بعزيمة متمتماً بعباراتٍ غير مفهومة : هيا للولوج في عوالم اللغة ،هيا لنفهم الحياة ..لنفهم ذواتنا .

ثم يقوم بفتح أدراج الخزانة الضخمة التي تحتل صدر الغرفة بكامله درجاً درجاً ليخرج من الأول زجاجات الجبر الاثني عشر ،حبرٌ بجميع الألوان المميزة التي تنبض بالحياة ، ومن الثاني يخرج الورق المصري الجميل ذو الرائحة الزكية ،ومن الثالث وهو الدرج الأكبر يخرج بكرةً ضخمةً لجلدٍ مدبوغ ونظيف لصنع أغلفة الكتيبات .لم يكن لدى والدي كما كان لمعظم الخطاطين درجٌ رابع فيه زجاجات لماء الذهب والفضة لتذهيب وتجميل الأغلفة أو لتذهيب العبارات المخطوطة على الجدران والأبواب وأسقف المساجد والبيوت ، لم ينعم عليه الله بالمال الكافي لذلك . لكنه وبتحيزمني كان الأمهر في عينيّ .

كنا نمضي الليل بأكمله هو يخط ويلون ويصنع الأغلفة ،وأنا أتأمله تارةً، وتارةً أقلده على ورقةٍ تالفة وأفشل في تقليد حركات أصابعه عندما يقوم بفتلها لرسم انحناءة ألفٍ مقصورة ، أو هاءٍ في آخر الكلمة .

بقي والدي لسنواتٍ يحتمل فشلي وعندما أدرك أنني لاأملك موهبته ، قرر بأنه لا يناسبني أن أكون خطاطاً بارعاً وماهراً ،لكن يمكنني أن أكون خطاطاً مختلفاً وهكذا قرر والدي أن يصب اهتمامه في تعليمي خط الثلث ، قال بأن ابن قطفة كان مبدعاً عندما اخترع هذا الخط ،وبأنه التمس في أسلوبي أنني لا أحب التقليد وأسعى دوماً للابتكار وبما أن هذا مكروه في ثقافتنا الإسلامية ،لذلك وجد أنه من المناسب تعلم خط الثلث والتميز فيه وهكذا أصبحت أمهر الخطاطين في هذا الخط وغدوت مختلفاً عن أقراني في الوراقة ،مما ولد عداءات لي وخصوصاً من قبل (سليم)أمهر الخطاطين في البلاد ،الذي يفخر بزخرفته للعبارات المكتوبة على جدران وأسقف قصر الحاكم أدامه الله ..

ولكونه الأمهر في البلاد ،لم يخالفه (نور الدين) صاحب الوراقة عندما أدلى بقوله: (( من المستحسن طرد هذا الخطاط ،فهو لايملك الموهبة ولايتقن إلا نوعاًواحداً من الخطوط ،على الخطاط المسلم أن يكون كاملاً ولاننسى أن الكمال لله وحده )) !

وهكذا خسرت عملي في أهم وأعظم وراقة في البلاد ، وشعرت بالضعف والظلم ذاته الذي شعرت به عندما حملنا أنا وأمي ماتبقى من أغراضنا بعد أن هدمت العواصف منزلنا الطيني في الريف ،واتجهنا صوب المجهول إلى المدينة حيث قضينا ليالٍ باردة وحالكة بين الجبال وفي المغاور العميقة الموحشة ،حيث يعيش ((المعزولون )) تلك الفئة من الهاربة من السلطة الإسلامية الحاكمة لأسباب تاريخيةٍ أجهلها إلى الآن ..

هل يعقل أن يكون الحكم أشد قساوةً وأن أنفى إلى الجبال كالمعزولين بعد أن تقطع يدي ؟!!

لا أريد التفكير في هذا ،ألا يكفي ما أصابني ،رأسي ثقيلٌ للغاية ركلني ذلك الأعجمي الأخرق على خصيتي ،لم أعد أشعر بهما ،لابد وأنهما محتقنتان الآن . ربما فقدت ذكورتي ؟! كيف سأستمر إذا حدث هذا ؟! لن يرزقني الله بالبنين التي هي زينة الحياة الدنيا .وقد تطلب (شريفة) أن أطلقها .ربما تخلعني هي ،لكن يمكنني الاطمئنان فيما يخص هذا فهي لاتملك المال ،لكن أمها الخبيثة (أمينة) قد تساعدها ،إنها تعيرني دوماً بقلة مالي وحيلتي ،فكيف إذا أمسيت مخنثاً كالملعونين عند الله !

من الجيد أنني لن أخسر (( نينار )) الفاجرة التي يرسلني إليها معلمي لإيصال قصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ،كانت تقول بأنه لاشيء يستحق أن نعيش من أجله كما تستحق القراءة ،إنها فاجرة لكنها تنطق دوماً بعباراتٍ تعجبني وتذكرني بعباراتٍ أبي غير المفهومة .

لم أرتكب معصية الزنا معها ،حتى هي لم تطلب ذلك ،قالت بأنه يكفيها أن نجلس معاً نرشف شراب الورد والنارنج وندخن النارجيلة وأنها مللت من الرجال العراة الذين قابلتهم في حياتها ،(كانوا بغالاً وليسوا رجالاً) كانت تهمس بصوت طائرٍ يحتضر

5

من الأفضل لي أن أكف عن التفكير بها الآن ،قد أنطق بشيء ويسمعوني ،لاأريد أن أحاكم حكم الزاني أيضاً!

لم تعد العربة تهتز ، لابد وأننا وصلنا ،أشعر بقبضاتهم الوحشية تجرني من كتفي ،مازال الضباب كثيفاً حولي ،بالكاد أقوى على المشي ،لا أعرف وجهتي ،أمشي لدقائق معدودة ،ثم أقف فجأة ،أحاول فتح عيني بصعوبة ،أرى رجلاً وسط هذا الضباب يجلس خلف طاولة ويحمل في يده ريشةً مغموسةً بالحبر ،يسألني بتجهمٍ:ما اسمك أيها اللص ؟وما اسم والدك؟

_(( كتوب ….اسمي كتوب ابن عبد الغفور ..))… أجيب بتلعثم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

6

 

2_ أنا صهيب العظيم

من يجرؤ على قض مضجعي ؟ .. ومن غيره ذاك الأعجمي الجبان .. كم أنا نادم لعدم قتله عندما وقع أسيراً بين يدي هاتين ،لو كنت أعلم أنني أمنح الحياة لأخرق سيغدو سجاني في يومٍ من الأيام لسحقته ولينقص عدد المسلمين واحداً .

خيرٌ انشاء الله ! سجينٌ آخر يضاف إلى الخمسة ، الحبس لايسع لستة سجناء خصوصاً وأن صهيب العظيم الذي هو أنا لم يوافق بعد على هذا ! يكفيني ذاك المخنث الذي يداعب شعره المصفف اللامع كشعر الحريم ،وذاك الرسام الكافر الذي جلب لبلادنا بدع الافرنج الكفار ،آه وماذا عن هذا الأخرق ذو الألسن المتعددة الذي ينقل الشعر واللغو عن شعراء الافرنج الكفار ، ويبيع الكتب دون موافقة مجلس العلماء الشريف وختمه ، كلهم في كفة ميزان ، وذاك الخائن في كفة ، كيف يجرؤ على التجسس على جيشنا الإسلامي العظيم لصالح القسم الجنوبي من البلاد ،لصالح (مقدام) الكافر العاصي .

لو أنصتوا فقط لصهيب العظيم لما نجح مقدام وأتباعه في بناء دولتهم تلك ، كنت دوماً أملك الفراسة فيما سيحدث في المعارك ، ، والفضل عاد لي في جميع انتصارات جيشنا الإسلامي العظيم ، كان الحاكم حينها يصدقني ولم يكن أحدٌ ليجرؤ على وصفي بالمنجم والمجدف ، أنا صهيب البطل أنتهي هكذا ، ذو الحنكة والدهاء ، الفاتح والغازي والغانم ، أزج في حبسٍ ضيقٍ مع حثالة المسلمين ن والأسوأ من هذا كله ، أنني أرى في عيونهم الحياة من جديد ، أراهم خارج هذا الحبس ،كلٌ على دربٍ مختلف ، نعم ، نعم ، الكل هنا سينال صفح الحاكم ، عداي أنا ! لأنني لن أعود في كلامي ، هذه البصيرة لا تخطأ أبداً ، الحاكم سوف يسقط قريباً ، أحمد الله أنني لم أمت في غزواتي السابقة ‘ في شبابي كنت أحلم بهذا ، وأطلب الشهادة من الله عز وجل في سبيل نصرة ديننا وحاكمنا المبجل .

لكنني أحمد الله أنني لم أمت من أجل هذا الحاكم الذي يتهمني بالجنون ،لربما كنت مجنوناً كما يدعون ،لكنكم ستصدقونني حتماً إذا أخبرتكم بأن هذه البلاد في الأصل ،يعشش فيها الجنون ،الجنون يلوث هواءها ،يتنشقه الجميع ،المصلون العائدون من المساجد عند الفجر ، يأخذون جرعتهم اليومية من الجنون ،من الظلام ‘من القهر ‘من الوهم ‘من الخدر ..

كان علينا صعود ذلك الجبل وتطويقه لحصار المتمردين ،مقدام وأتباعه الذين ثاروا ضد حاكم المسلمين والدولة الإسلامية العظيمة ،يريدون هدم الإسلام والإتيان بنظام حكم ومصادر تشريعية وقوانين غريبةلا تشبهنا وتحط من قيمة ديننا ومكانتنا وقوتنا ،عندما أعمى الله قلوبنا _ولابد أنه كان ذاك فيه خيرٌ للمسلمين _ووقعنا في كمين وتأخرنا في الإقرار بوجوب الفر ،تلقيت طعنة سيف في كتفي غدراً ،كان أعجمياً من المرتزقة التي استعان بها (مقدام) في ثورته ،باغتني ونشل مني سلاحي ،جمعت قوتي ،قوة مقاتلٍ مسلمٍ عظيمة وأحكمت قبضتي على رقبته إلى أن قبض عزرائيل روحه .

سرت وأنا جريح حذراً بين الصخور ،وجرحي ينزف دماً،والدم يغسل روحي من خدرها وجبروتها .. إلى أن غبت عن هذا العالم ولم أعي ما حصل معي إلا بعد أن استيقظت فوق سريرٍ أبيض أمام ابتسامة حرمةٍ سافرة ،ترتدي ثياباً غير شرعية وقد جمعت شعرها الناري الافرنجي إلى الوراء كاشفةً عن رقبة ناصعة البياض أشد بياضاً من أرداف حريمي (صديقة ) و(عادلة ) ،اعتنت تلك الافرنجية بجرحي إلى أن التئم وقضيت أياماً لا تنسى من حياتي في ذاك القصر ،قصر والدها الافرنجي النبيل ،وعندما عدت إلى بلادنا لاحظ الجميع بأنني أصبحت شخصاً آخر ،منذ ذلك الوقت وهم يدعونني بالمجنون ،كم هم حمقى؟ لايعلمون بأن ما شهدته في ذلك القصر هو ما شفا روحي من جنونها الحقيقي،هو ماجعل الإنسان الذي في داخلي يطفو إلى السطح ..

 

 

 

 

7

 

 

أنا كتوب

دخلنا المدينة أنا وأمي بعد آذان العصر من يومٍ سديمي مغبر ،كانت أسراب الحمام تحوم بقلق وانزعاج حول قبة المسجد الكبير البراقة ،تماماً مثلنا ،أنا وأمي ،طيران ضعيفان يتخبطان خوفاً من المجهول ،لا قبة يحومان حولها وهما مطمئنان أنها لن تخذلهما وتقع .. لم تكن المدينة كما تخلينا ،لم ينعم الجميع فيها بحياةٍ رغيدةٍ ومال وفير ،كانت تلك هي الصورة التي رسمتها عنها ،أن المدينة هي تلك المحارة الكبيرة التي كلُ مافي داخلها يتلألأ ،الحيوات ،الدروب ،العباد ألوان تتمازج وتتراقص ،كأصابع تخط بشغف ،لم يخطر لي البتة أن أسمع تأوهات كتلك التي ملأت أذني في الريف بعد أن عرت العواصف البيوت والأطفال وشردتهم ، كنت آملاً بأن تكون تلك المدينة ملاذاً لنا ،حيث يعيش الجميع في رغدٍ مرزوقين آمنين .

ولجنا المدينة من جهة الشرق ،عرفت ذلك من بوصلة والدي التي ورثتها عنه ونجت معنا من الفيضان ،كانت بوصلة؟ً فضيةً مرصعةً بلؤلؤتين زرقاوتين كبيرتين ،أهداها له صديقه (فارس ) بعد أن خطَّ والدي له كتاب الرحلات الذي ألفه بعد أن جاب البلدان في الشرق والغرب ورأت عيناه مارأت من غرائب البشر والحجر .

استشهد كليهما في الحرب ضد المتمردين في جنوب البلاد ،رحلا دون بوصلتهما وكتابهما ،دون أشياء يستدلون بها عن الوجهة الصحيحة ،لأن وجهتهما كانت مكتوبة ومقدرة ،كتبها الله عز وجل لهما .

لم تلمس أمي البوصلة بعد وفاة والدي ،ولكنها عندما وصلنا المدينة وقبل أن يسمح لنا الحراس بالدخول ضغطت على يدي بقوة مشيرةً لي إلى البوصلة ومعبرةً عن رغبتها في حملها ،وكأنها بالنسبة لها أداة لمعرفة الوجهة الصحيحة للمصير ، لا الوجهة .

وقفنا في الرتل بانضباط خلف مئات العباد ،تجمعنا رغبةٌ واحدة ،بالرغم من اختلاف قصصنا ،كنا جميعاً غرقى يتعلقون بقشة

كان الحراس متشابهين في كل شيء ،الطول نفسه ،الثياب السوداء المقلمة على ظهورهم بنقوش عبارات (الله أكبر ) وسيوفهم المشهورة والمتوازية المثبتة بقبضاتهم المصطفة إلى جانب بعضها البعض كالبنيان المرصوص .. فهم الحماة الاقوياء ،رجال الإسلام ولنصرة الإسلام .

عندما جاء دورنا ،أنزلنا متاعنا من على ظهر حمارتنا البيضاء التي أنهكها التعب ،وبدت وكأنها ستفارق الحياة للتو ،خمنت ذلك لكنها كانت قويةً أكثر مما توقعت وبدت وكأنها ستفارق الحياة للتو ،خمنت ذلك لكنها كانت قويةً أكثر مما توقعت وماتت بعد ذلك بنحو ساعتين ،أي بعد آذان المغرب بقليل .

-(( هل لديك ذوي قربى في القسم الجنوبي في البلاد ؟)) سألت أحد الحراس ..

-((لا نحن من الريف الشرقي ))

-((حسناً ، هيا اقرآ الفاتحة وانطقا بالشهادتين وادخلا ))

– ((أنا سأتلوها لكن أمي لاتستطيع ،هي بكماء ))

-(( حسناً ،اتلوها أنت ،فهي منقبة إذاً هي مسلمة !))

رفعت كفيّ نحو السماء وتلوت سورة الفاتحة بتجويد تام وبصوت جهور ،ثم رفعت السبابة ونطقت بالشهادتين .

8

عبرنا جسراً طوله بضعة أمتار ،حافظت أمي على وضعيتها فيما يخص البوصلة ،ضغطت عليها بشدة وكأنها تمنحها القوة لعبور ذاك الجسر .

فكرت فيما إذا كانت الحريم الأخريات قد جعلن من الاشياء القديمة الغالية على قلوبهن مصدراً للقوة كأمي ،أتخيل حرمةً تضغط بيديها على ريشة كتابة ،وأخرى على مصحفٍ صغيرٍ في علبةٍ خشبية صغيرةٍ ،وثالثة على منقشٍ خشبي لنقش المعجنات .

وفيما منت سارحاً في خيالي ،كان العم (نور الدين) صديق والدي رحمه الله ينتظر عند نهاية الجسر ،بجانب عربته الفاخرة التي يجرها حصانين أشهبين ،بطلته البهية ،طلة رجلٍ منعم بالمال والجاه ،مرتدياً بذةً تركيةً فخمة ،صفراء ومزركشة بالأحمر ومنتعلاً حذاءً من الجلد البني اللامع . اقترب منا فاتحاً ذراعيه مردداً بصوتٍ جهوري : (فليرحم الله والدك عبد الغفور ،مامات من ولد )

ركبنا العربة في المقعد الأمامي المخصص للرجال ،وأرسلت والدي إلى المقعد الخلفي حيث تنتظرها حرمتيه ،وخلال رحلتنا لم يترك العم (نور الدين ) يدي ،كان يضغط عليها بقوة ويتلو آيات من سورة الاعلى (( وأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ،واما بنعمة ربك فحدث ).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9

أنا نافع المترجم

عرفته ، إنه كتوب ، صبي المعلم عروة ناقل الكتب الثمينة ، كتب الافرنج المنقولة بالسر ،وكتب الفلاسفة العقلانيين الممنوعة من قبل مجلس العلماء الأعلى ، مما لا شك فيه أنه قد كشف أمره ، ياللمسكين ينتظر المصير نفسه ،النحر أو قطع الرأس بتهمة الإساءة إلى الإسلام والأمة الاسلامية ،أذكر أنني قابلته من فترة وجيزة ، نعم تذكرت ، قابلته في المخبأ السري ل(( تمام )) الفيلسوف الهارب من السلطة ، كانت بحوزته أعمال منقولة لرامبو ودانتي وبودلير ، تلك الأعمال التي لم تسنح لي الفرصة بإنهاء نقلها إلى العربية ، أتمنى وأنني أنهيتها قبل أن ألاقي هذا المصير لكلن الموت شيئاً سخيفاً ولكنت تركت لهذه الأمة شعاعات نور تضيء عتمتها ز

تسنى لي في أيامي المنصرمة أن أنقل الوافر من الكتب عن الافرنج ، نقلت أشعارهم المختلفة كلياً عما نكتبه نحن ، لغتهم المتمردة ، تحررهم من قيود الشكل ، انسلاخهم عن الواقع ، عومهم بعيداً عن كوننا هذا ، رؤية العالم بعدة منظورات ، عذاباتهم ،طرقهم الجميلة في خط المشاعر ، التوق ، الألم ، الحرمان ، الشغف ، الطبيعة المتجددة الحية الغريبة أحياناً ، البعيدة تارةً عن المنطق ، الصاخبة ، المجنونة والعاقلة في آنٍ واحد ، اللامبالاة وعدم الاكتراث الذي يتصف بهم الشاعر أو الأديب الافرنجي تجاه ماهو سارٍ وشائع ومحتوم ، تلك الرغبة في القول للعالم بأن الشاعر أو الأديب من حقه أن يخلق كوناً وكوناً ، أن يملك اللغة التي في يديه ،أن يكذب أو يصدق ، أن يزلزل ويهدم ويبني ، لأن اللغة وحدها هي المجرمة البريئة ، هي الحياة بكل تفاصيلها .

هنا في بلادنا ، أن تملك أسلوباً مختلفاً يعتبر أمراً مكروهاً غير مألوف ، كفر ، زندقة ، إساءة إلى الأمة ، عليك فقط أن تكتب من أجل الأمة ،أنت تكتب لهذا السبب فكتابتك لامعنى لها إذا لم تصب في بوتقة الأمة التي تصهر الجميع ،ديننا يفرض عليك ذلك ،أن تكون شابهاً لأقرانك ،لكي تحفظ قوة هذه الدولة ،أنت وإن أنعم الله عليك بتلك الملكة إنما لسبب واحد هو أن تمضي بأخوتك المسلمين قدماً ، دوماً إلى جانبهم ونسخة ً مماثلةً عنهم ، فالجميع يسير لغايةٍ واحدة تحت ظل حاكمٍ واحد ، ولمعنىً واحد ، لذا لايسمح لك بالتلاعب بالمعنى ، بامكانك زركشة الشكل كما ترغب ، والشكل هو الأهم في ثقافتنا لكن إياك أن تجلب معنىً آخر ففي ذلك تمردٌ على إعجاز ديننا ، رسالة ديننا العظيم ، الذي جاء بكل الإجابات ، وجعلك تدرك الصحيح من الخاطئ دون أن تبذل مجهوداً ، فأنت ماعليك سوى أن تعيش مطبقاً لهذه القوانين الإلهية ، لأن في ركودك ، في طمأنينتك سوف تبقى قوياً ، سيكون الجميع أقوياء لأنهم في صف واحد ،أشكالهم متنوعة ، لكن المعنى في قلوبهم واحد .

لذا أنا هنا الآن ، في السجن ،لأن طفولتي ومراهقتي منحتني الاختلاف ، أسفاري ووالدي ، ترحالنا الدؤوب في بلاد الافرنج ، في شرقها وغربها ،لقاءاتنا مع شاعرإيطالي هنا ، وفيلسوف فرنسي هناك ، مسرحيات شكسبير في مسارح البندقية ، سهراتنا الطروبة في غرناطة ، الصور ، الأفكار الحرة ، الألوان الحية ، العالم المشرق هناك ، كان هو بداية مصيري المعتم هنا، بين جدران زنزانة قذرة ، جسدي فقط ، لكن روحي تسبح هناك حيث تطير كما ترغب وتغرد كما تشاء .

أعلم تماماً ما ينتظرني سيقف سجان مثيرٌ للشفقة ، يحمل سيفه ، وسيلته الوحيدة للرزق ، للحياة ‘ للوجود ! ويفصل رأسي الكبير كما كانت تصفه أمي ، ولاأدري إن كان سيردد عبارات يمجد فيها عقابي هذا ، سيلوث دمي وجهه ويديه ، وسيظل وجهه مخزياً بدمي ، ولن يزول مهما توضأ ، ومهما زادت قناعته بأنه ليس عليه طلب المغفرة ، لن يفكر بهذا أصلاً فهو لايفكر ، هو يقترف فقط ، النسخة الميتة منه الملازمة لظله دوماً هي من تقترف ، لأنه لاوجود له (( هو )) لا وجود للنسخة الأصلية له ، تلك النسخة وأدت دون ذنب عندما أبصرت عيناه الظلام ,.

سيعيش الحالة نفسها التي عاشها سجانٌ آخر من ألد أعداءه ، سجان حمل فأسه أو ربما سيفه أيضاً وقطع رأس مفكرٍ انتقد سياسة ((مقداد )) الحاكم العظيم للقسم الجنوبي للبلاد ، ذاك الثائر الذي خلص قومه من ظلام حاكمنا ، ليرمي بهم تحت عباءته التي تبث ظلاماً من نوع آخر ، بوتقة مختلفة يصهر الجميع فيها ، تماماً كبلادنا ، لإعلاء قوةٍ واحدة ، قوة مقداد العظيم ، الرجل الأكمل ، الأقوى ، الإله الآخرالذي يسكن الأرض ، المعنى الآخر الذي لا يجب أن يتم نجاوزه ، ألا يتم التلاعب فيه ، عنده أيضاً ، بإمكانك التلاعب بالشكل كما تريد ، لكن تحت عيني مقدام المبجل ، وبما يضمن أن يبقى المعنى مصوناً ن غافياً في عرشه ، مزيناً بأبواق ٍ تصدح ، بمدائح البطل الأفضل والأكرم والأشد حكمةً بين البشر أجمعين .

10

سجان مقدام قطع رأس صديقي ، إنسان مختلف آخر ، عينان وجدت نورهما الضال في بلادٍ ما ، بين سطورٍ متمردة أخرى ،

صديقي الذي كنت أختلف معه ، في الكثير من الأمور ، ، في لقاءاتنا الشتوية السرية ،مخبأ ((تمام )) الضيق المساحة ، الواسع الفضاء ، حيث كنا نتجادل ونثرثر ونقرأ ونغني ، وفي دواخلنا كنا على أشد المعرفة بمصائرنا القادمة ، لأنه كتب على من يرى النور لمرة واحدة أن يسير باتجاهه قلقاً متخبطاً ، إلا أن يصل إليه ويحترق .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

11

(( 5))

أنا يسر وينادونني بالمخنث

عندما جاء ذاك الأعجمي بسجينٍ سادس إلى الزنزانة ، أدمعت عيناي من شدة الغبطة ، فهذا يعني أنني لن أجلس بعد الآن منزوياً يأكلني الضجر في زوايا الحبس ، أستمع إلى شتائم صهيب المجنون ن سيكون لدي صديقٌ بعد الآن ، نتحاور ونشكي حالنا لبعض ، لكن ربما سيتجنبني كالجميع ، ويشعر بالغثيان عندما أجلس بجانبه ، ثم يشتمني وينعتني بالمخنث .

كان الجرح في رأسه عميقاً ، وينزف بشدة ، أخرجت منديلي المطرز من جيب سترتي وسارعت إليه ، لربط الجرح وإيقاف النزف ..

_ (( ها ، هل هو من النوع المفضل لديك ؟ لايمكنه مضاجعتك هنا !ها ها ها )). صرخ صهيب المجنون ثم ضحك ضحكةً بلهاء .

كان السجين الجديد فاقداً للوعي ، لم يسمع شيئاً مما قاله صهيب ، حمدت الله على ذلك .لا أريد أن ينبذني كالبقية ، هنا في الزنزانة وخارجها ، أبي ، أمي ، فتيان حينا المكتظ بقساة القلوب ، الشيخ زكاء ، المصلون في الجامع الكبير أثناء صلاة الجمعة ، صديقات والدتي البدينات بقهقهاتهن المزعجة . الجميع نبذوني دوماً ، تقول والدتي (( لأن كل مافيك ليس طبيعياً كبقية بني آدم ، حتى ولادتك كانت غريبة ومثيرة للريب ، لم يصدق أحدٌ أن أضع أنا سكينة الممتلئة ،بنت العز والجاه ، ولداً هزيلاً يبكي بصوتٍ يشبه نحيب الأرامل ، والآن منذ أن بلغت سن الرشد ،لم يتغير صوتك بل أصبح أسوأ ،صار كصوت الفاجرات )).

لم تدرك أمي قسوة تلك الجمل التي تنطق بها ، لكنني لم أكن لأكترث بمثل هذه الأقاويل ، لأنني اعتدت على مايشابه ذلك في كل مكانٍ أقصده ، كان والدي يجلدني بالسوط إلى حد الإدماء ، لكي أغدو رجلاً قوياً ، ويغادر البيت بعدها ولا يعود البتة إلا بعد أن أنهي بكائي تماماً ، يجلس بقربي ويتمتم : (( لا أريدك أن تكون كالحريم يابني ، لا أريدك ان تكون منبوذاً بين المسلمين ، فكل من يتشبه بالنساء ملعون في الإسلام ، أريدك أن تكون رجلاً كوالدك )).

وفي صبيحة أحد الأيام أيقظني باكراً واصطحبني إلى حانوت العطار زهير لكي أساعده وأتعلم مهنة العطارة منه ، ((إنه فتىً ضعيف ، لذا من الأفضل أن يتعلم مهنةً على قياسه ، نظيفةٌ وغير متعبة )) قال والدي للعطار زهير وهو يمسك بيدي ويشد عليها .

عند العطار (( زهير )) شهدت نوعاً آخر من الإذلال ‘إذلالاً أشد لباقة ، كان يحضر خلطاتٍ جديدة لعطور نسائية ، ويطلب مني أن أدلي رأيي فيها ، ثم يردد ضاحكاً : أنت الأدرى بما تحبه الحريم ، بما أنك الأقرب إليهن وتشبههن ))

عندما توفي العطار (( زهير )) لاحقاً عاد ولده ستار من أسفاره ليرث العطارة عن أبيه ، طردني فوراً منها ، وقال بأنني سأسيء لسمعتهم ، (( أتريد أن تقول العباد علينا أننا نعشق الغلمان ؟!)).

ذهبت يومها إلى الشيخ زكاء وقد أنهكني البكاء ، قال بأنه يجب أن أتصرف كالرجال وأنه من الأفضل أن ألازم البيت حتى ينبت شعر لحيتي ، وأنتظر بلوغي الذي تأخر أربعة أعوام ، وأوصاني بقراءة القرآن الكريم والصلاة وطلب المغفرة من الله ، عله ينعم علي كبقية الشباب المسلمين بالقوة الجسدية والرجولة الكاملة ، (( من المستحسن ألا تزور المسجد عندما يكون مكتظاً بالمصلين ، فلا مكان لك بينهم )) قالها كجملة وداع .

سرت وحيداً بين سراديب المدينة الموحشة ، بحثت في جيبي فوجدت مالاً ، تذكرت بأنني ادخرته لشراء بذة العيد وجلبته معي اليوم لذلك ، فقررت أن أستخدمه لقضاء الليلة في خان من خانات المدينة ، لم أجرؤ على العودة إلى المنزل ، والدي سيجلدني وأمي ستهزأ بي وتندب حظها وتستلقي صامتة على فراشها ثم تدير ظهرها لي ، صديقاتها سيجلبن بناتهن للعب معي ، وربما يعلمنني التطريز ، ويدلكان شعري المسترسل بالزيوت والعطور مثلهن .

12

لذا قصدت أقرب خان مني ، لم يكن خاناً واسعاً ، فيه فسحةٌ واسعةٌ فارغة تخلو من البشر سوى رجلٍ عجوز منهك ، كان قد غفا على كرسيٍ من الخيزران الدمشقي .

اقتربت منه بخطواتٍ متعبة ، وربتت على كتفه لإيقاظه . وأنا أتمتم : السلام عليكم ، أيها العم )).

عندها فتح عينيه بصعوبة وأخذ يدلكهما بقوة .

(( ماالذي تفعله في هذه الساعة المتأخرة أيها الفتى ؟ هل تبحث عن عمل ؟)).

فتح لي هذا السؤال طريقاً جديداً لحياتي ، فضاءً آخر لبداية أخرى ، حسناً هذا ربما ماظننته في البداية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

13

أنا كتوب اللص

الحر شديد ، والزنزانة لا تحتمل هذا العدد من السجناء ، عفوك يامولاي ، لا بد وأنه عقابك ياإلهي ، وتذكرةً منك بالسعير الذي ينتظرني في الآخرة .

ما الذي فعلته بنفسي ؟ أنا كتوب الخطاط المرهف ، الرجل المؤمن الذي لايقطع صلاةً في موعدها ، يهزمني الشيطان ويخضعني لأوامره ، فلتسرق يا كتوب ، ليس لديك خيارٌ آخر سوى العمل مع عصابة الكتب تلك ، لا تنسى حرمتك الحبلى والتي تشتهي الزبيب والعسل في كل ليلة ، سليم المتكبر حكم عليك بالشقاء وقلة الحال ، نور الدين الذي تظاهر بحبه لك كأولاده ، وما كان يريد منك سوى ان يتخذ من امك المسكينة زوجاً ثالثةً له ، والتي فضلت أن تموت بعد ليلتين على أن تعيش ما كتب الله لها من أيامٍ برفقة ذاك المنافق .

نعم ، إنه الشيطان ، أو ربما ليس الشيطان ن إنما الضرورة ، القهر والظلم ن هذه البلاد الغريبة ، يخبرونك فيها ان الحاكم هو ظل الله على الأرض ، وأنه عادلٌ مثله ، والعدل أبعد ما يكون عن بلاده .

لم أكن يوماً متطلباً أو متذمراً ، ورضيت بحالي ودوري البسيط ، كنت سعيداً بعالمي الحبري ، خط الثلث الذي لا أتقن غيره ، كيس النقود الذي أكسبه في نهاية كل أسبوع ، أستر به نفسي وحرمتي ، وأدفع ثمن مكوثنا في منزل أجره لي نامق أشد الأثرياء ثراءً وأكثرهم بخلاً ونجاسة .

كانت أقصى سعادتي أن أعود مساءً إلى شريفة الطيبة ، الزوجة الصالحة ، التي لم تملك من جمال الوجه إلا القليل ، لكنها ملكت من جمال الروح الكثير والوفير ، الصامتة دوماً تذكرني في هذا بأمي البكماء ، نتعشى معاً مقالي الباذنجان ونشرب شراب النارنج ، ثم نأوي إلى الفراش ، أداعب شعرها الفاحم ، أنكحها بصمت ، تتألم هي بصمت ، وتهدأ عند النشوة ، وتسيل قطرة العرق من جبهتها ، لتستقر على حافة شفتها العلوية الموسومة .

كان هذا قبل أن أغدو لصاً وقبل أن أتعرف إلى نينار ، قبل أن أضل طريقي ، نينار التي لم أفهم إلى اليوم ما الذي كان يجمعنا ، كنت مدمناً على رؤيتها والحديث معها بالرغم من أننا لم نتضاجع يوماً ، جمعنا شيء مختلف ، مجهولٌ ، معطلا ، مغلفُ بنشوة حقيقية ، نشوةٌ بعيدة كل البعد عما ينتهي به النكاح .

آه ، ماالذي سرحت فيه ؟ ، نسيت نفسي وحالي التي يرثى إليها ، جروحي توقفت عن النزف ، بفضل ذاك الفتى الطيب يسر ، أقسم أنه رجلٌ بكل ما للكلمة لامن معنى ، ضمد جراحي واعتنى بي حتى استيقظت ، على الرغم من شكله المثير للعجب ، شعره المسترسل والمرتب والطويل كشعور النساء ، وشعر لحيته الذي لم ينبت بعد ، عيناه اللامعتان المكحلتان كعيني نينار ولسانه الذي لايتوقف عن الثرثرة ، لكن هذا أفضل من الصمت القاتل ، الجميع هنا صامتون ، ينتظرون السيف أو الفأس الذي سينهي حياتهم ، يحلمون بعالم البرزخ ، ويتساءلون عن حجم الألم الذي سيتألمونه عندما ستطبق القبور فوق صدورهم .

يذكرني يسر بشقيقي الأصغر عثمان الذي باعه والدي لعائلة نصرانية كانت قادمةً من الإسكندرية ، هذه الصفقة التي أودت بصوت أمي إلى الأبد ، وجعلتها تعتزل الناس ، وتكتفي بمراقبتهم بوجه حزين .

حدث ذلك في أحد أعياد الأضحى ، حيث أيقظنا والدي عند صلاة الفجر ، ووهبنا بذتين متماثلتين ، كان قد أخاطها لنا خصيصاً عند صديقه ((عبده)) وقام بنفسه بخط اسمينا عليها فوق كل جيب ، بخط الثلث الأحب إلى قلبينا.

عشنا معاً طقوس العيد ، وقمنا بواجباتنا ، ثم حملنا أموالنا وانطلقنا إلى الحوانيت لنصرفها على الحلوى والذرة ، طلبت من أخي أن يكون شجاعاً وأن يجرب الابتعاد أكثر إلى الحانوت الكبير الذي كانت أمي تحذرنا منه ، وسمعت والدي ذات مرة أن صاحبه يعشق الغلمان ، ولم أدرك حينها ما تعنيه هذه العبارة.

عندما وصلت إلى الحانوت الكبير ، شعرت برغبةٍ في التبول ، وأخبرت أخي ينتظرني ريثما أفعلها خلف شجرة قريبة ، لكنني عندما عدت إليه لم أجده وكان باب الحانوت مغلقاً ، فجأة ، فتح الباب وخرج منه عثمان متعرقاً خائفاً ، وأغمي عليه فور

14

وصوله إلي ، حملته بين ذراعي وركضت .

عندما وصلنا إلى المنزل صرخت أمي صرخةً ملأت الحي ، حملني والدي وخرج بي من البيت ، أغلق الباب بإحكام وقام بقفله ، جلس على التراب سانداً ظهره إليه ، واحمرت عيناه واغرورقت بالدموع ، وأخذ يتمتم : (( إنه لعار ، إنه لعار )).
في تلك الليلة لم ينم أخي في المنزل ، وإنما في العربة المتجهة نحو الاسكندرية والتي تخص هيلانة وزوجها توما الذين رحلوا بأخي إلى الأبد معهم ، بعد أن دفعوا ثمنه ، الثمن الذي رماه أبي في النهر ، ورمى معه بذة أخي الممزقة ، والمغطاة بدماءه ودموعه .

تلك كانت المرة الوحيدة التي لم أحب أبي فيها ، والمرة الوحيدة التي تبدل وجهه فيها ، حكمته ، صبره ، ضحكته وهو يخط المصاحف بشغف ، تغير فيه كل شيء ، وفرغت أدراجه شيئاً فشيئاً ، واتسخت وراقته ، إلى أن جاء الدرك وساقوه إلى القتال في الحرب ضد المتمردين ، ومرت عشر أعوام ولم نسمع عنه شيئاً ، تغيرنا في غيابه ، إلا أن زف لنا خبر مقتله .

عندما كبرت قليلاً ، أدركت ما فعل صاحب الحانوت الكبير باخي ، سألت عنه ، أخبروني بأنه قد مات إثر سقوطه من رأس التلة ، ثاني أيام عيد الأضحى منذ سنوات ، كان حادثاً غريباً لم يلقى له تفسير ، لم يعلم الجميع بأن التفسير يدركه شخصان فقط ، شخصٌ صار بين يدي ربه وأنا ، الحي الذي يرزق ويترحم على والده .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

15

أنا والدة كتوب البكماء

لو كنت أعلم ماينتظرني عند نهاية ذاك الجسر لرميت بنفسي ، كما رميت بوصلة زوجي المرحوم ، شعرت برغبةٍ في رميها مع جميع الذكريات المؤلمة التي خلفتها وراء ظهري في منزلنا الريفي ،ظن كتوب أنني مهتمة جداً بتلك البوصلة ‘ لأنها آخر ما تبقى من والده ، لكنني على العكس كنت أبغضها بغضاً شديداً ، والآن أبغضها أكثر ، لأنها وجهتنا إلى هذا المصير البائس ، إلى نور الدين ، الرجل المقيت وحرمتيه اللتان لا تعرفان الذوق والحياء ،أجلستاني بينهما في العربة المتجهة إلى بيتنا الفارغ من الذوق تماماً مثلهما .

رفعت إحداهما الملاءة لتكشف عن وجهي ، وقرصت وجنتي الممتلئتين وكأنها تختبر نضج ثمار ترغب في ابتياعها ،وراحت الأخرى تنهال بالأسئلة علي من قبيل (( أنهيت عدتك ، أليس كذلك ؟! يمكنك الآن أن تزفي لرجلٍ آخر ؟)). (( كيف ترتدين كل تلك الملابس تحت النقاب ؟، ألا تعانين من الصمات تحت ثدييك؟ ))، ثم تطلق ضحكةً أشبه بصوت جري الحصانين امامنا ، .(( إنها بكماء أيتها الجدباء ، لا يمكنها أن تجيب على أسئلتك التي تحتاج ثرثارةً مثلك للإجابة عليها )). تردد الأخرى بصوت يملؤه الخبث .

شعرت حينها برغبةٍ في البكاء على ما آلت إليه أحوالي ، وطرقت بابي ذكرياتي المنصرمة ،وكيف رسمت بنفسي حياةً لا أرغب بها لمجرد قراري بإطاعة والدي الذي أحبني حباً جماً .

عشت وحيدةً مع والدي تاجر الأقمشة الهادئ حياةً هادئة مطمئنة بعد أن رحلت أمي عن هذا العالم ، كان كلٌ منا يمثل الحياة بالنسبة للآخر ،وحتى بعد زواجه من جميلة المرأة التي لاتستطيع الإنجاب ،والتي عاشت وحيدةً في منزلٍ لاحول له ولا قوة ،بقيت الأولوية لي عند والدي ،وكان يردد دوماً (( لاشيء سيقسم لي ظهري سوى إن أصابك مكروه يا ابنتي )).

عندما كبرت وبلغت سن الزواج ، صارت فكرة تزويجي شاغله الشاغل ،يجلسني بقربه كل ليلة ،يطعمني بيديه الدراق والتمر العراقي .

ويشكرالله على نعمة الجمال التي منحني إياها ، ثم يتحدث لي مطولاً عن أهمية الزواج للفتاة وروعة الإستقرار وبناء عائلة ،وأنه لاشيء يمكن أن يحدث للمرأة أفضل من أن تنجب ،وتكون أماً صالحة ،ترضي الله والرسول .

كنت أعي كل كلمة ينطق بها ،فقد كنت في العمر الذي تبدأ فيه الفتاة بالتوق إلى دورها الأنقى في الحياة ،وملأ قلبي حينها شوقٌ دائم لشابٍ يزور والدي في الأمسيات ،يجلب له الأقمشة المميزة والباهظة الثمن من البلدان الأخرى ،حيث يجوب في ترحاله .

كنت أسمع صوته عندما يتلو لوالدي آيات من القرآن الكريم ،صوته كان رخيماً إلى الدرجة التي جعلتني أعشقه ،أولاً ،ثم سنحت لي الفرصة بأن أشم عطره عندما تناول مني كؤوس التمر الهندي عند زيارته لوالدي في مرضه ،وهكذا اكتفى قلبي بصوته وعطره لما يقارب العام .

بعد ذلك تسنى لي رؤية وجهه لمرة واحدة عندما قام بحمل والدي المغمى غليه بين ذراعيه ونقله إلى الطبيب ، كنت وقتها خائفة وحزينة لمرض أبي المفاجئ .

ساءت حال والدي بعدها وأخذ بالهزال والذبول ،وذات مرة ،بينما كنت أسقيه الماء ،شرب عدة أكواب وطلب المزيد ، وقبل أن يتابع الشرب طلب مني أن أضمه ،ضممته بقوة وشعرت بعظامه النافرة ورائحة الرحيل في جسده ،بعدها حدثني عن شاب ريفي كان يعمل في حانوته منذ صغره ،وأخبرني بأنه شاب ابن حلال وموهوب ،يخط بمهارةٍ فائقة ،لكن الله لم ينعم عليه بالمال ،وأوصاني بأن أتخذه زوجاً لي وأن أشتري له بماله دكاناً صغيراً ليتمكن من ممارسة العمل الشغوف به ،وتمنى أن أقبل بطلبه هذا لأنني لن أجد ابن حلال وطيب مثله بين المسلمين جميعهم .
لم يكن أمامي سوى الموافقة ،وبدون أن أمنح عقلي أو قلبي وقتاً،كان على والدي أن يسمع مني إجابةً ترضيه ،وتفرح قلبه في آخر أيام حياته .

16

وهكذا ،جمعت زوجة أبي في صرة علب كحلي ومجوهراتي وثيابي الجديدة التي طرزتها لي خصيصاً لزواجي ،وشرحت لي عما ينبغي للفتاة فعله في سرير زوجها لتعيش حياةً رغيدةً وهانئة .

ما أذكره أن تلك الليلة كانت الأولى التي بدأت فيها جملي تقزم وتتلاشى ،وبدأت أقع في حب الصمت ،وأتخذه أسلوباً لعيش الحياة .

عندما جاء كاتب العدل مع الشهود وضعت الملاءة على وجهي ووقفت عند باب الغرفة لأدلي بالموافقة عندما سيسألني ،وفوجئت بمن عشقته وملأ عشقه كياني شاهداً على زواجي ،ولرأيت وجهه للمرة الثانية ،لكن هذه المرة كان يجب أن أغض بصري ، ولم أكن أعلم حينها أن الفرصة ستسنح لي كثيراً برؤيته ، لكونه الصديق المقرب لزوجي ، وأنه سيجمعهما كتاب أسفارٍ وبوصلة ، وستنتهي حياتهما معاً في حربٍ ملعونة ، بعد زمنٍ ليس ببعيد .

علمت لاحقاً من زوجي باسم من أهواه ،فارس الرحالة المحب للمغامرة ، الصديق الأقرب له ‘ الأخ الذي لم تنجبه أمه ،والذي اكتفيت بعطره وصوته مرةً بعد مرة، في سهراته مع زوجي ، يتبع ذلك دموع ولعنات أصبها على نفسي ،شعورٌ بالغثيان والقرف مما يدور في خاطري ،ثم أنهي ذلك كله بلعنة الأقدار التي عبثت بحياتي ،وحكمت علي بقضاء عمري بأكمله في الريف الفقير ،بعد أن رزقت زوجة والدي بذكرٍ ورث مال والدي ،والدي الذي توفي في صبيحة عرسي قبل أن يحقق حلم زوجي بامتلاك وراقته الخاصة والعيش في المدينة .

حصلت على ورثتي من مال والدي حسب ماجاء به الشرع ،لم تمانع زوجة أبي بمنحي نصف ثروته ،لكن زوجي رفض ذلك وقال بأنه لن نصرف إلا ما يحلل لنا الشرع ، ( أتريدين أن يقول العباد علينا أننا نريد أكل مال اليتيم )،واكتفيت بالصمت حينها ووجدته الأجدى والاكثر تعقلاً.

قبلت بحالي المتواضعة ،وبزوجي الطيب الذي كان والدي محقاً في الحكم عليه ،وانتظرت مولودي الأول بشغف وطلبت من الله أن يكون ذكراً لأسميه عثمان على اسم والدي ، لكن زوجي أراد أن يسميه (كتوب) لأنه حلم دوماً بولدٍ ذكر يعلمه كيف يخط وكيف يكون الأمهر بين الخطاطين في البلاد كلها .

رضخت لرغبة زوجي بصمتٍ كعادتي ،لكن الله رزقني بذكرٍ آخر ببشرةٍ بيضاء كالثلج ، وعينين سوداوتين لامعتين كوالدي رحمه الله ،فأسميته عثمان واهتممت به بأنانية ،وفضلته على كتوب وأعترف بذلك ،لم أكن عادلةً ومنصفةً في حقه ،ستقولون بأنه لايمكن لأم أن تفضل أحد ولديها على الآخر ،ربما لم يشعر أحد بهذا ،لأنني أخفيت حب عثمان في قلبي كما أخفيت في الماضي حب فارس ،ولأجله فقط عادت جملي تتألف بكلماتها القديمة ،لأجل ذاك الفتى الناعم الهادئ ،ذو الشعر المسترسل الفارسي نذاك الفتى الذي كان يخطط ببطء وحنكةٍ لأخذه مني ،لقتل روحي مجدداً ،والحكم علي بالصمت الأبدي .

 

 

 

 

 

 

 

 

17

 

 

أنا يحيى الرسام

حتى في السجن يمكنك العثور على أشياء تستحق أن ترسم ،كالطابع الأنثوي ليسر مثلاً ،أو الغرابة التي تحيط بصهيب ،ملابسه ،تعابير وجهه المتحجرة ،الحالة الصادقة للسجين الجديد وهو يغفو من شدة ألمه ،حتى الحشرات الغبية التي تتجول هنا وهناك ،كل تلك الأشياء تستحق أن يكون بحوزتي الآن ريشةٌ وألوان .قالوا عني دوماً أنني ألتمس الجمال حتى في المزابل ، (( ذاك الرسام الضحوك الذي يحول المآسي إلى عذاباتٍ لذيذة)) ،كان قوم والدي يتناقلون عني ،أحب ثرثرتهم وأحب نساؤهم أيضاً ،وسذاجتهم التي منعتهم والحمد لله من معرفة كم أبيت في مضاجعهم بدلاً عنهم ،وأستمتع مع نسائهم العاريات الحسان .

كانت أمي تقول لي وهي تحممني في الصغر ،أن جلدي الأبيض وعيني الخضراوتين ،وابتسامتي ستجعل الفتيات العذارى تلاحقنني في الأزقة ،ولم تكن لتتوقع أن النسوة المتزوجات سوف تسبقهن .

ستقولون عني مغرور ،لكن خذوا مني هذه ،أنا لا أجيد في هذه الحياة سوى أمرين ،الرسم والمضاجعة ،أما الرسم فلأنني أحب أن أعبر عن الأشياء بصمت ،ولا أجيد الثرثرة ،فهي من اختصاص النسوة و الفاجرات ،أما المضاجعة فهي وسيلتي لأختبرالجمال ولأتعلم كيف ألتقطه في أي موضع ،وأتلذذ به وأغسل به عقلي وجسدي .

الزاني ، العربي الافرنجي ، تربية افرنج كفار ، كلها عباراتٌ أطلقت علي ،ولم أكترث ،حاولوا البحث عن أدلة في مضاجعهم ، في شعور فتياتهم ، في المغارة التي جعلت منها مرسمي الخاص ،ووجدوا ماأثار فيهم غرائزهم المكبوتة ،لم تستوعب عقولهم الساذجة رسومي ،النسوة العاريات ذوات الوجوه الغريبة والحزينة ،وكانت ردة فعلهم كما توقعت ، إحراق المرسم بما فيه ، ولكن حتى هذا لم يغضبني .

هربت ،لذت بصديقي الإيطالي (جيوفاني ) وطلبت منه أن أعود معه إلى البندقية حيث نشأت ،فهنا أروع مافي الحياة محرم ،وبقائي عاقلاً خلوقاً في نظرهم سيخنقني حتماً

لم يكتب لرحلتنا أن تمضي على خير ،رأينا رجالاً يحومون بخيولهم ،ويتخبطون حولنا ويصرخون )إنها الحرب ، مقدام جمع قومه واعلن الثورة ،سوف يخلصنا من ظلم الحاكم .

قفلنا راجعين أنا وجيوفاني ،فمقدام ثار وسيجعل الحياة أجمل وأكثر حرية في جنوب البلاد حيث أعيش ،اعتقدت ذك في البداية .

بعد عودتنا ،أنشأت مرسماً جديداً لي وعدت إلى رسم النساء العاريات ،الجبال المشرقة ،الغيوم المكبلة بالقيود،الأطفال الذين يتهافتون على السباحة في النهر ،ثوار مقدام وهم يحملون راية النصر .

لكن سرعان ماتغيرت الأمور ،نص مقدام قوانيناً جديدة على البلاد قوانيناً تنصبه إلهاً على الأرض ،الشعر ،الكتب ،الرسوم كلها يجب أن تهدف لشيء واحد ،هو تمجيده وتعظيمه ،ساق بالرسامين ومن ضمنهم أنا إلى قلعته ،وجندنا لرسم لوحات لانتصاراته ،كما ساق بالفتيا ن والشباب في مقتبل العمر لحمايته ، وزع البنادق والسيوف عليهم ،وأرسلهم لمجابهة المخاطر ،ليصبحوا أقوياء ،جمعت النسوة للعمل في الحقول والمزارع التابعة له ،المحاصيل ،الثمار،وكل خيرات البلاد كان عليها أن تجمع وتقدم له ،وهو وحده له الحق في توزيع ما شاء من ثروته ،لأنه المخلص الأقوى والأعظم ،الأشد ذكاءًوحكمةً،لأنه مقدام العظيم .

عندما ساءت الأوضاع أكثر ،ودمرت قرى وبيوت فوق رأسها ،لرفضهم لسياسة مقدام ،قررت الرحيل عن هذا الجحم ،وهذه المرة نجحت في الهروب مع جيوفاني والعبور إلى القسم الشمالي من البلاد حيث الناس لايختلفون في التعاسة كثيراً مع حاكم من نوع آخر .

18

قصدت وجيوفاني خاناً لنبيت فيه مؤقتاً ،ريثما نجمع المال اللازم للعودة إلى البندقية ،سرنا في شوارع المدينة باحثين عن عمل ،وكان من المفاجأة أن نسمع أن الحاكم الإسلامي يجمع الرسامين والنقاشين لتجميل الجانب الغربي من قصره الذي يجهزه لاستقبال زوجته الرابعة .

سارعت وجيوفاني إلى القصر وهناك قابلت أنجيليكا الجارية الافرنجية ،المرأة الأكثر روعة وقضيت معها أجمل أيام حياتي ،ولو أن الثمن كان ما أنا عليه ،سجيناً ينتظر حكم موته .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

19

أنا صهيب العظيم

أما زلتم تجزمون بجنوني ؟ لا يمكنني لومكم على هذا ، لكن لترموا بكبريائكم هذا جانباً ،ولاتدعوا بأن ثرثرتي لا تعجبكم ، إنني أستطيع أن أؤكد لكم بأنها تعجب الحاكم بشخصه ،هو يبتسم لثرثرتي ،ويصدقها في داخله ،لأن الحقيقة لا يستطيع أحد إنكارها .

الحاكم سيزول وسترقص جواريه على سطح قصره ،وكل من في الزنزانة هنا سيخرج ،عداي أنا لكنني لاأستطيع البت في حريته التي سيحظى بها في الخارج ،سوف يقفز الجميع في الهواء من شدة الغبطة ،بمافيهم ذاك المخنث ((يسر)) وستتمايل ضفائره يمنةً ويسرةً كالفاجرات ،أما انا فلا أريد شيئاً من هذا ،فقط دعوني أغفو، لأكون بين يدي كلير .

أتخيلها الآن وهي تصر على أن أنهي كوب الدواء الذي صنعته بنفسها لي ،شراب ٌ أخضر قذر ،كريه الرائحة ،ذو طعمٍ مقزز كوجه ((عادلة )) زوجتي الثانية ،هاهي كلير تمسح لي شفتي بمنديلها الناصع البياض ،ذو رائحة الخبز ،وتنهض إلى الكرسي خلف ذاك العجيب الذي تسميه ((بيانو)) تجلس عليه بعد أن تجمه طرفي ثوبها المخاط بصعوبة وإتقان ،ثم تحرك أصابعها برشاقة وبراعة كمحارب يتقن فنون السيف ،ولكن بحركاتٍ أقل خشونة وأشد هدوءاً .

أثبت عيني في شامتها البنية الكبيرة في مركز رقبتها من الخلف ،لونها غريب علي ،لم أرى في حياتي كلها سوى الشامات الغامقة ،والتي تقوم النسوة لدينا بطمسها بالكحل لتصبح أشد قتامةً برأيهن .

ينطلق صوت البيانو ،إنه صوت غريب ،هادئ إلى درجةٍ لا تصدق ، صوتٌ جديد على أذني التي لم تعرف من الأصوات سوى صليل السيوف وصهيل الخيل ،صرخات المهزومين ،وأنين السبايا .تلك كانت هي الموسيقى الوحيدة التي حركت جوارحي ،موسيقى الحروب ،وأوجاع العباد .

تقول كلير بأن الموسيقى ستساعدني على الشفاء ،وهي لم تعلم بأن موسيقاها قد كشفت لي عن جروح دفينة كنت قد تجاهلتها ،كانت موسيقاها بمثابة صفعة ناعمة أيقظت روحي من خدرها ز

تنهي كلير معزوفتها وتذهب إلى غرفة والدها لتحضر لي ثياباً ،تقول بأنه علي أن أبدو أنيقاً في حفلة ميلادها ، وبأنها مضطرة لتركي وحيدا بضعةً من الوقت ،ريثما تهتم هي بمتطلبات الحفلة ونظافة قاعة الاحتفالات .

ترسل خادمتها البدينة ذات الشعر الأحمر و الجلد المتعرق دوماً ،تقدم لي إبريقاً من الشاي مع كوبٍ نظيف لامع وفطائر القشطة والعسل وتخبرني بأنه علي إنهاؤها ومحاولة تحمل الضجر تناولها ريثما تأتي سيدتها ((كلير)) .أتناول فطيرة واحدة وأحتسي كوباً من الشاي في دقائق ، ثم أشعر بالملل من النوم في السرير كالحوامل ، أتخبط في الغرفة ذهاباً وإياباً ،أحاول إصلاح النافذة التي تصدر صوتاً مزعجاً عند فتحها وإغلاقها ،أنظر عبر النافذة إلى الحديقة الجميلة ونباتاتها المنظمة بعناية ،أتذكر كلمات الشيخ زكاء ،((ما نفع التحضر والتمدن والمظاهر البراقة إذا كان المرء كافراً ،إنه لشيخ لعوب وأخرق .

 

يمر الوقت وأنا حبيس غرفتي كامرأةٍ في عدتها ،أسمع فجأة صوت (كلير) تتحدث بلغتها الافرنجية تشبه ثرثرة أطفالي في الصغر ، تدخل علي وفي يدها زجاجة من العطر ،تطلب مني أن أستخدمها بعد أن ألبس ثيابي ،وأن ألحق بها إلى قاعة الاحتفالات بعد نصف ساعة .

أرتدي تلك الثياب الغريبة ،بذةٌ تشبه بذة والدها النبيل ،أنظر إلى نفسي في المرآة ،أطلق ضحكةً ساخرة ،أنا صهيب الغازي والفاتح أرتدي ثياب الافرنج الكفار ،لكنني لأبدو أنيقاً بها .

في طريقي إلى قاعة الاحتفالات أشاهد لوحات معلقة على الجدران ،تتضمن رسوماً لبشر حقيقيين ،بتفاصيل وجوههم الواضحة تماما أتذكر ما قاله الشيخ زكاء ذات مرةٍ أن هذا محرمٌ في ديننا .

20

عندما أصل إلى قاعة الاحتفالات ،لا أرى أحداً من المدعوين ،ما أراه فقط أولئك السجناء الحثالة الذين يحيطون بي ،وذاك الأعجمي الغبي الذي أيقظني من حلمي بصوت سلاسله ،لا بد وأنه جاء لجر ذلك المخنث ليلاقي مصيره ،عقابه الإلهي بأنت يحرق أمام أمة الإسلام جميعها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

21

 

_ أنا يسر المخنث _

 

الشيء الذي أثار دهشتي من نفسي لحظة دخول ذاك الأعجمي المتوحش حاملاً سلاسله التي للوهلة الأولى تظنها خصصت لسوق كلب ،هو التجرد التام عن أي شعور أو فعل ،لاخوف ،لا كراهية ،لا تعلق لابد منه بالحياة عندما تدرك حتماً إقتراب نهايتها .

((الحياة لاتستحق العيش إن كنت مقيداً بقيودٍ وسلاسل )) تلك جملة صاحب الخان الجد يعقوب التي كان يرددها علي في كل سهرةٍ من سهراتنا ،حيث كنا نجلس في فسحة الخان الواسعة الفواحة بعطر النارنج ،نتبادل الأحاديث والآراء المتناقضة ،كان الجد يعقوب أول من يسمعني وينظر إلي نظرة إنسان وليس كمسخ ،منحني عملاً شريفاً في خانه عندما قصصت له حكاية معاناتي مع البشر ،أخبرني بأنه يمكنني البقاء في الخان والعمل كصبي توصيل لطلبات الزبائن في الطوابق العلوية ،بالإضافة إلى المهمة اليومية الأصعب بالنسبة له والتي أشاخته مبكراً كما كان يؤمن بشدة ،وهي تنظيف الخان المبني على الطراز الروماني والتي لا تشبه أبداً أي بناء هنا في الدولة ،بل كانت تعتبر للملتزم بالعمارة الإسلامية ،بصمةً غريبةً غير مرغوب فيها .

كان الجد يوقظني يومياً بعد أن يستيقظ سرب الحمام الذي يجمع نفسه في طوقٍ حول بركة الخان ،في اللحظة التي ينفض الحمام أجنحته وكأنه ينفض ما تركته الأيام المنصرمة في روحه من أحزان ،آملاً بيوم يطير فيه بحرية ،بأجنحة نظيفة .

في تلك اللحظة تماماً ،كنت أنفض عن ذاكرتي ما أرهقها من ذكرياتٍ مؤلمة ،تماماً كالحمام وأحلم بتجربة طيران من نوع مختلف ،بجناحين منحني إياهما الجد يعقوب ،الرجل السبعيني ذو الشارب الأبيض المعقوف ،والهندام النظيف والمرتب دوماً ،المختلف عن أزياء رجالات البلاد ولم يتوقف الأمر على الزي والهندام بل تعدى ذلك إلى عادات غريبة يقوم بها يومياً كمسح جلد جسمه بالكامل بالكحول ثم بالعطر الأندلسي ‘أو بالزيوت المباركة المجلوبة من الأبرشيات البعيدة ،حيث يتجول في خريف كل عام ،كان يقول دوماً أن لديه احساساً بأنه سيرحل في يومٍ خريفي مريضاً في سريره اللعين ،لذا كان يمضي الخريف بأكمله متجولاً في أبعد المناطق ،باحثاً عن وقت أطول للعيش ،هارباً من فراشه ،من علائم يوم قيامته .

لم يمت الجد يعقوب في الخريف كما شعر دوماً ولم يمت في فراشه إثر المرض أيضاً ،مات بعد أن سحقته عربة الدرك المتلهفين للقبض على المطالبين بتخفيض الجزية عنهم ،مجموعة من العباد ضيقو الحال ،الذين ضاقوا ذرعاً من جزية الحاكم التي لا ترحم ،سحق الجد يعقوب تحت عجلة العربة قي يوم صيفي حار وغاضب ،وانطفأت عينيه ،كما أطفئت نار الغضب بين المتجمعين ،أخمدها الدرك بالسياط والهراوات، بلغةٍ تشبه سواد ملابسهم ،لغة لن يفهمها إنسان .

واليوم دون أي كراهية ،أو حتى ألم جسدي لقيود أدمت قدمي ،لم أعد أرغب في فهم أي لغة للعنف ،أنا الآن أجرب احساس الفراغ،احساس اللاعالم ،اللازمن ،أنا الآن أساق لأسحق ليس بعجلة عربةٍ فوضوية ،إنما بسيفٍ منظم ،طريقةٌ أخرى لإزالة وباء ..

يسوقني الأعجمي في سردابٍ لا لون له ولا ملامح ،،سوى أصوات بشرٍ يتألمون ،وكأنه سردابٌ مبنيٌ من صوت ،حجارته حناجر بشرٍ تطلق صرخات أرواحهم ،أسمع صوت أيزيدي يجلد لينطق بالشهادتين ،وأنين أحدهم قبل أن تقطع يده ،وصوت السرداب يصرخ :ماذنبي انا لأحتضن كل هذه الوحشية ؟

يقاطع صوت العذابات صوت الأعجمي وهو ينطق لي : ((والدك دفع الكثير من المال ليتم ترحيلك إلى البلاد الجنوبية حيث مقدام النذل ،علهم يسمحون بأمثالك هناك ،حظك وافر لأنه لم يتم حرقك كبقية المخنثين )).

 

22

 

 

 

 

 

أنا يحيى الرسام

لا شيء يخفف عنك ضيق زنزانة كهذه سوى العيش مع ذكرياتك واستعادة حكايتك تارةً مع ابتسامة وتارةً مع وجوم ،أنجيليكا وجيوفاني هما بطلا حكايتي ،إن كنت أود أن أبدأ من هناك ،من ذلك القصر الغريب حيث يحكم رجلٌ غريب الأطوار ،قصير القامة ،ذو عينين حمراوتين ،وذراعين تحوطان بالجواري ،وعقلٍ فارغ .

قصدنا أنا وجيوفاني القصر واضعين أمام نصب أعيننا هدفاً واحداً ،غير مكترثين بما يدور تحت سقفه من ظلم وإسفاف . جربنا احساس ألا تنتمي سوى لهدفك ،وأن تغلق عينيك عن أغلاطٍ عظيمة ،ماكان باليد من حيلة سوى ذلك ،كان علينا أن نرى بأعيننا جوارٍ يهدين إلى قادة جيوشٍ متوحشين ،والحاكم يرفرف بعينيه دون مبالاة وهو يتسلى بسحق حبات العنب ،أو وزراء يمشطون بترقب لحاهم الطويلة والمؤنقة وهم يطلبون من الحاكم أن يختم على رزمة من الأوراق التي تخص الضرائب والأحكام القضائية ،ويبتسمون خباثة عندما يختمها وهو يلهو بسيقان جارية دون أن يلقي ولو نظرةً واحدة إلى مابين يديه من أحوال شعب بأكمله .

شيوخٌ وعلماء يصدرون الفتاوى الاجتهادية على مسمع الحاكم المبجل وهو يبكي من ألم في خصيتيه .

سنحت لي الفرصة بتتبع الحياة اليومية لحاكم دولتنا العظيمة عندما كلفنا أنا وجيوفاني بنقش الزوايا في مخدعه ،وتسنى لنا أيضاً حضور سهراته مع تمايل الجواري وموسيقاهن ،كان يصيح بأعلى صوته :ما المانع في أن تسهرا معنا ؟،هيا أنا لا أحب أن أملك جواريَ،لا مانع عندي من مشاركتهن معكم ،ها،ها ،ها.

كانت أنجيليكا مختلفة عن البقية ،بجدائلها العسلية ونظرتها الجريئة التي تدل على قوة الشخصية والدهاء .

في البداية ،أعجبتني كبقية النساء ،أردافها العريضة ،صدرها الأبيض ،مؤخرتها الممتلئة البيضاء غالباً،ورسمتها سراً في مضجعي .

وفي ليلة انطفأ فيها الحاكم من النعاس ،غادرت الجواري مخدعه باتجاه مضاجعهن ،مرت أنجيليكا بجانبي وداعبت ذقني ،وهمست :أنت أشد وسامةً من حتى من حاكمنا .همست بسخرية واضحة .

انتهت تلك الليلة بنشوة في سريرها ،وتكرر ذلك في الأمسيات التالية .احتفظنا بسرنا لنفسنا حتى جيوفاني _وهذا ما اعتقدته في البداية _لم يعلم بشيء،وكان غريب الأطوار في تلك الفترة .
قضينا أنا وأنجيليكا الليالي الطويلة مفعمة بكل ماهو جميل ،ممارسة الحب ،الحديث عن الحكم الظالم والسخيف للبلاد ،والاستهزاء بالفتاوى الغريبة التي يصدرها مجلس العلماء الأكبر.

في أحد الأيام تجرأت أن أقترح عليها رغبتي في رسم مايدور في القصر من ظلم ،علني عندما أغادر أعرضها هناك على الجمهور الأوروبي ليرى حالنا التي يرثى لها ،رفضت الفكرة أولاً ثم صارت تصحبني معها إلى أماكن مظلمة في القصر حيث البشر المقهورون والجواري المعاقبات ،وتمضي ساعات في وصف مضجع الحاكم وتفاصيل جسده وطريقة تعامله مع الجواري ،تناوله الخمر سراً ،الأوضاع الجنسية الغريبة التي كان يطلبها من جواريه .

مرت الأيام على هذا المنوال إلى أن دخل علي في مضجعي أربعة ملثمين ذات صباح ،وأنا أجهز أدواتي كبلوني بالقيود وساقوا

23

بي إلى الحاكم بعد أن بحثوا عن لوحاتي التي رسمتها بمساعدة أنجيليكا ورموا بها من شرفة القصر في النهر .

وفي اللحظة التي رميت بها أمام قدمي الحاكم جاءت عيني بعيني أنجيليكا،التي غضت بصرها عني ،وتابعت ماكانت تقوله للحاكم 😦 كنت أشاهده وهو يتسلل إلى المناطق المحظورة في القصر ثم أتبعه إلى مضجعه حيث يشرع في رسم ما شاهدته عينيه الجاحدتين )!

شعرت بدهشة موجعة عندما سمعت مانطقت به أنجيليكا وكان أشد ماآلمني أن تصف عيني بالجاحدتين ،عيني اللتين لطالما قبلتهما بحب .

لكن سرعان مافهمت كل شيء ،أمر الحاكم بمنح أنجيليكا حريتها والصدمة الكبرى كانت من ينتظرها في الممر ،لقد كان (جيوفاني)الذي قررت أن يشاركها حريتها ،كان كل شيء مخطط له بعناية وقذارة من قبلها ،نظرت إلى جيوفاني نظرة استغراب ،واستطعت أن أدرك أنه لايعلم شيئاً،لقد كانت تنام في مضجعه أيضاً،وتسقيه من كأس الغرام نفسه ،وتخطط لنيل حريتها والعودة معه إلى البندقية موطنها.

عندما عانقت جيوفاني التفتت ورائها ونظرت إلي نظرة حزينة وتمتمت بشيء ما ،خمنت أنها اعتذرت مبررة أن الحرية أثمن مافي الوجود ،حتى أنها أثمن من الغرام الحقيقي .

لكن لم ينل أي منا حريته ،فأنا بين جدران زنزانة قذرة أنتظر الموت وأنجيليكا التي توجهت بفرحتها العارمة بصحبة جيوفاني نحو البندقية في عربة قديمة كانت مخصصة لنقل الموتى ،وكانت هذه المرة وسيلة لنقل أنجيليكا إلى قاع البحر.حيث ستتحول فيه إلى حورية بحر تسبح حرة في عالم واسع الأرجاء ،نعم ،سقطت العربة في البحر ،تعلق جيوفاني بصخرة ،ببداية جديدة ،أما أنجيليكا لفظت اسمي مبتسمة قبل أن تتابع هبوطها نحو القاع المضيء .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

24

أنا كتوب اللص

يسر سوف يعيش ولن يطبق الحكم عليه ،إن هذا ليسر القلب وينعش الروح ،فهو رجلٌ طيب لايستحق الموت في ريعان شبابه ،هذا ما أخبرني به ذاك الأعجمي بلهجته الثقيلة ،((ذهب إلى حضن مقدام ،فليهنأ))قال مقهقهاً.

العيش في أحضان مقدام ليس بأفضل من العيش في هذه البلاد الظالمة ،فقد سنحت لي الفرصة أن أزور البلاد الجنوبية في إحدى مهماتي ،ولم أشهد تلك الحرية التي نشد إليها ثوار مقدام ،إنما طغياناً من نوع آخر ،،إلهاً آخر يعوض نفسه على العباد ،وفق قانون أشبه بقانون الغاب.

أرسلني المعلم (عروة )إلى رجلٍ يعتكف بنفسه في إحدى القرى المغضوب عليها من قبل مقدام ،تلك القرى تثور بين الفينة والأخرى احتجاجاً على سياسة مقدام ،كان الطريق صعباً إلى هناك ،وكان علي أن أثبت ولائي للمحتجين المسيطرين هناك ،بالرغم من مروري في بعض المناطق التي تستظل بمقدام العظيم .

قضيت ليلتين بين البيوت العشوائية المبعثرة ،الفقيرة الحال،وعشت بين أهلها الذين تطبعوا بصفاتٍ متشابهة ،نحول شديد،وأجسادُ منهكة ،حيث كانوا يعملون من الفجر حتى المغرب ،دون كلل مقابل مالا يسد قوت يومهم .كانت الأعمال التي كلفوا بها من أشد الأعمال قسوةً وصعوبة ،والجميع عليهم بالعمل دون توقف ،حتى النساء والأطفال،هذا هو النظام هناك ،الكل يعمل لأجل الجميع ،لأجل العدالة والمساواة،والكل لديه القدرة ذاتها على العمل ،والويل لمن يخالف .

من يخالف سيكون عليه مواجهة جنود مقدام ،وهم رجال هائلون في الحجم ،يأكلون بوحشية ونهم ،يرتدون ملابس تكاد تتمزق من هول اللحم تحتها،يتكفلون بمراقبة الناس وهي تعمل،وبترديد الهتافات لمقدام العظيم .

عملت يوماً في الحقول لمساعدة العائلة التي فتحت لي دارها ،عدنا منهكين بعد أن أخذتا حصتنا من الطعام اليومي ،تخليت عن حصتي للأطفال الصغار لكوني متطفلاً بالأصل،ولا يحق لي أية حصة .

حملت كتبي تلك الليلة بعد أن كانت مخبأة في وعاء البئر _وكانت هذه فكرة ربة المنزل _فالكتب المسموح بها في بلاد مقدام أقل حتى من الكتب المباحة هنا،ولاشيء ذو أهمية سوى مايضمن قوة البلاد وحماية مقدام .

سرت ليلاً باتجاه منزل الرجل المعتكف الذي يقع في الجبال،وفي طريقي مررت بمبنى قذر حيث يبيت فيه جنود مقدام ،كانت إحدى الشبابيك مفتوحة ،نظرت منها بفضول ،فذعرت لما شاهدته ،كان جنديان ضخما الجثة،يمارسان اللواط بعنف.

لاحظت أن حجارة المبنى بكامله منقوشة باسم مقدام العظيم ورسوم انتصاراته ،حتى أنني لحظت رسماًيفخر به رسامه بمجزرة رهيبة لبلدة عاصية،أبادها مقدام بالمناجيق والنار.

من شباك آخر ،شاهدت غرفةً مليئة بالكتب المتماثلة،كتب توزع على العباد فيها قانون العيش في كنف مقدام ،كان على كل طفل حفظها صماً،كي يرسخ في ذهنه منذ الصغر،الأسباب التي وجد لأجلها أصلاً،وهي عبادة الإله الآخر،مقدام العظيم.

تابعت طريقي منهكاً بين الجبال ،وشاهدت قبوراًعظيمة مزينة بالورود الهائلة ،كتب عليها شهداء مقدام العظيم.

عندما وصلت إلى كوخ الرجل المعتكف ،استقبلني بالحفاوة ،وبدا رجلاً رزيناً بعمامته البيضاء وجسده الهزيل وقامته الطويلة .عرضت عليه الكتب التي جلبتها معي ،أمسك بها وتنشقها،فتح إحداها وحاول القراءة،لكن فجأة أغلق الكتاب وحدق في الفراغ ،لاحظت دمعةًتسقط عند زاوية عينه ،كبيرة وبراقة ،قال بغصة:لن أقدر على القراءة بعد الآن فقد فقدت بصري ياولدي عيناي لم تحتملا ما تشهده هذه البلاد ،ومن الأفضل ألا تريا شيئاً بعد الآن.

 

 

25

 

 

أنا يسر وينادونني بالمخنث

سارت العربة بنا باتجاه الجنوب ،كان علينا السير في طرقٍ سرية شديدة الوعورة ،لدرجة جعلت من تركي سائق العربة الأبرص يتصبب عرقاً ،ويتلون جلده بلون شعره الغريب .

كان والدي قد أوصاه بإيصالي إلى المكان المتفق عليه بعد أن زج في جيبه كيساً من النقود يزن رأسه ،تكلم معه عني دون أن ينظر إلي ،وكأنه يوصي بالعناية بشبح .لاحظت ارتباكه ومحاولة كبت عطفه .

لم تطمئن نفسي أولاً لتركي ،له عينان كخرزتين في مسبحة ،وشعرٌ مشتعل كالقرود الحمراء ،ولم أدع عيني تغفلان عنه حتى منتصف الطريق ،لكن عندما شهدت جهده الصادق في إيصالي في الموعد المحدد إلى الحدود مع البلاد الجنوبية ،بدأ قلبي يرق له .

عندما توقفنا لنريح جسدينا ،قال لي بأن والدي خلصه من سوق العبيد حيث كان من المقرر بيعه بأبخس الأثمان لقباحته ولكونه بخصيتين معطلتين .

ثم أسر لي بما يقوم به والدي يومياًمنذ رميت في السجن ،كان يقوم بتحرير عبد كلما جمع مايلزم من المال ،ويسعى له عن عمل ما ،ثم يدعو الله أن يحفظ ولده ويشفيه من خنوثته .
كان يتكلم إلي وهو يدلك ندبةً سوداء مثل وشم على شكل غراب،موسومةً على رقبته ،سألته عنها،قال أن والدته كانت تجره في الصغر إلى الشيوخ والرجال المباركين لتزول لعنة الله الحمراء عنه ،حيث قام أحدهم بكي رقبته لحرق الجني الذي يسكنه .

((تؤلمني دوماً عندما أتحدث عن مشاعر صادقة ))قال وهو يبتسم لامبالياً.

عندما تابعنا سيرنا ليلاً،لم أستطع أن أكف عن التفكير بما قصصه عن والدي ،شعرت بنوع من الطمأنينة والتصالح مع الذات .

راقبت السماء بعيني طفلٍ وليد ،راودني شعور غريب بأن العربة تسير بي نحو عالم جديد ،تأرجحاتها أشبه بمخاض ،وكأن ألواناًأخرى تنتظرني في النهاية البعيدة .

لم يدم حدسي طويلاً،فسرعان ماأوقف تركي العربة فجأة، ترجلت منها ظناً مني بوصولنا ،ظهر لي أربع رجالٍ بأزياء ملونة بكافة الألوان تقريباً،كانوا مثل فرسان من قصص ألف ليلة وليلة.

طلبوا منا أن نصعد إلى عربتهم ،كانت العربة كبيرة جداً،وتشبه مايحكى عنه في القصص الخيالية ،أحدهم كتاباً من تحت سترته ،وسرح في سطوره،بدت عليه علائم المعرفة الوافرة .

القلق جعل من تركي يتلون بلونه الغاضب ،لاحظ أحدهم ذاك الاحمرار الفاضح فقال مطمئناً:نحن أصدقاء الشاعر تمام ،قائد الثورة المقبلة لتوحيد البلاد من جديد والإطاحة بحاكمي البلاد ،وبناء دولة كالأزياء التي نلبسها ،ملونة،مضيئة بالجمال الأكمل.

حملقت فيه مستغرباً فتابع موضحاً:والدك يعمل بشكلٍ سري معنا،ونحن وعدناه بأن تكون معنا في أمان وكرامة.

حدقت بنجمٍ بعيدوأنا مضرج بمشاعر مبهمة ومتداخلة،شعرت بوالدي يلوح لي متأسفاً عبر ذاك النجم.

التفتت إلى تركي ،فابتسم لي وبرزت أسنانه القبيحة كنجوم تتلألأ.

أغمضت عيني لغفوٍ لذيذ،شعرت بالعربة تسير بكل رزانة ،انتهى مخاضها العسير ،والطريق صارت سوية ،لم تعد وعرة …

26

 

 

أنا صهيب العظيم

نعم ،أنا صهيب العظيم ،ذائع الصيت في كل أطراف البلاد ،المحارب القوي البنية والقلب ،الحاضر دوماً في كل حدث ،الذي لا يتخلف عن عزاء أو تشييع لشهيد مسلم ،يجمع مقاتليه ويدربهم على رقصات ومنافسات بالسيوف ،لكي يعلو صوت الصليل إكراماً لشهداء الإسلام ،والويل لمن يتذمر ،والرحمة على من تأتيه ضربة سيف مخطئة.

صهيب الذي كان يسخر حرمتيه صادقة وعادلة في كل مصيبة تحل بأشراف البلاد ،تحملان الصرر المليئة بالنقود واللحوم فوق رأسيهما ،وتمضيان بخيري لتوزعاه على العباد.

حاولت صادقة بخبثها الملعون ذات مرة أن تتملص ،وكانت حجتها انتفاخ بطنها اللعين بفرخ على صورتها ،قمت بجلدها بالسوط إلى حد الإدماء ،حتى قبلت قدمي وهي تطلب الصفح وتحلف بأن تعمل كالحمارة كل مايطلب منها.

كنت أجلب أفضل النعاج دون أي ثمن من الاسواق التي تهابني وتحترم صيتي ومكانتي،وأذبحها أمام أبواب البيوت التي ستشهد زيجةً جديدة تكثر المسلمين وتشحذ قوتهم ،ثم أغطس أصابعي بدمها المبارك وأخط الشهادتين بالدم فوق جدار.

بعد كل معركة ،يبحثون عني ويوكلون إلي مهمة توزيع الغنائم لكوني معروف بعدلي ،وكياستي في انتقاء النساء لمن تلقن لهم ،أجر من تبقى منهن وأهديهن إلى الشيوخ العجائز الذين فقدوا حريمهم.

نعم ،لذا أنا عظيم،ولن يتمكنوا من محو اسمي من تاريخهم ،أنا صانع هذا التاريخ ،هم يعتقدون بأنني مجدف وأنتم تقهقهون الآن من جنوني ،أما أنا فأنعت نفسي بالغبي الذي استيقظ فقط على يدي كلير الجميلة رغم سفورها ،الحكيمة رغم كفرها ،لا لا لايوجد جنةٌ إلا بين يديها ،أعيدوني إليها ،صهيب الحقيقي هناك في عينيها ،كلير التي تجعلني كمن يقابل الله بصوت موسيقاها على تلك الآلة الملعونة ،والتي تضرجت بدماءها الغالية ،لم تعد أصابعها تتحرك برشاقة،لأنها لم تعد موجودة ،قطعها سيف أحد المقاتلين الذين دربتهم ،لم أعي ذلك ،أقسم بالله العظيم ،كانت ذاكرتي القحبة غائبةً دفينة في الوحل،لو عرفتهم لسحقت عظام فكوكهم قبل أن يلمسوها ،هاجموا المنزل وقتلوا كل من فيه ،،قطعوا الأرجل والأيادي ،وصرخوا :الله أكبر ،جر أحدهم كلير بعد أن ربط يدي ،وتعرف علي لذا لم يقتلني ،حاولت كلير الفرار ،صفعها أحد الحثالة وحملها من شعرها ،تكوم شعرها الناري بين يديه القذرتين كشمسٍ محجوبة،رفسته بكل قوة قدميها،مزق سترتها البيضاء التي أحببتها ،سقط صليبها الذهبي فوق البيانو ،باعد المعتوه ساقيهاودفن رأسها بين مفاتيح البيانو ،تكسرت أسنانها وضاعت بين المفاتيح ،صرخت وقضيبه يغرز في روحها،عزف البيانو تحتها مقطوعةً رافضة،صراخاً موسيقياً اخترق السماء،كانت الموسيقى تبتلع رأس المعتدي ،لم أقوى على فعل شيء ،كنت أغني خلف الموسيقى ،وتنسج دموعي رقصة حزينة.

رسمت الدماء وجهاً أحمراً كشعر كلير ،بال الحقير على شعرها ،وبكت الشمس بولاً ،سكتت الموسيقى وأغلق البيانو فوق شمسه ،التي أغمضت عينيها واستدارت نحو الغرب حيث جلست مشلول الحركة والعقل .

غاب عقلي وكان غيابه ما منحني القوة ،مزقت الحبال التي طوقتني ،وركضت باتجاه المغتصب اللعين ،حملته من قدميه ورحت أضرب رأسه على البيانو الذي عزف برأسه مشجعاً،تكسر البيانو حطم نفسه لأجلي ،أطعمته عيني ذاك الأخرق ،لفظ البيانو أسنان كلير ،وأصابعها ،كمن يرمي بنقود فوق نعش ،تناولت سيف هذا الحقير وفجرت نبعاً من الدماء في أصدقائه ،حملت كلير بين يدي ومازالت الشمس تبكي فوقها ،فتحت عيناها بصعوبة ،سحبت بشعاع عينيها مافي رأسي من حكمة ،وثبتت تلك النظرة العاتبة إلى الأبد في عينيها ،بعد أن حكمت علي بالجنون الأبدي.

 

 

27

 

 

أنا تمام الشاعر الثائر

الخزي هو ماستشعر به عندما تملك ديمةً محتجزةً في رأسك ليس بوسعك تحريرها منه ،وإن حررتها أمطرت ماءً تجعله العقول الضيقة وبالاً على العشب .

ديمة الأفكار تلك عليها أن تبقى محتجزةً تكبر وتكبر لتنفجر نوراً يسطع كشمس ستحرقك أنت في البداية .

لتملك تلك الديمة عليك أن تولد ولادةً مثيرةً للريب ،قدمٌ عرجاء ،مسخٌ ‘عقابٌ إلهي ،لتصير بالضرورة مسلماً غير مرغوب فيه ،أمهاتٌ يشتمن حظهن ،وآباءٌ يجلدون قدميك أو يحجبونك عن أنظارهم متناسين تلك الوصمة التي عكرت صفو أيامهم .

السذج من أئمة المساجد سيجزمون بانك ممسوس بجني ،أو أن ماتتفوه به من تساؤلات وثرثرةٍ غريبة هو اختبار من الله لإيمانهم ،قد يكتفون حينها بالدعاء لك بالهداية ،أو قد يسمح لهم وقتهم بمحاولة طرد الجن من جسدك الملعون .

تمر أيامك وأنت تثرثر كلاماً أشبه بوساوس الشيطان الرجيم ،يشيحون بوجوههم عنك كمن يغلق باباً في وجه ريح .

زوجاتٌ مترفات يضجرن منك ويخلعنك ثم يهربن نحو النسيم ،ليعشن مع رجالٍ ذوي أقدام دببة ،وعلماءٌ ينعتونك بالمجدف ،ويقرون بحرق أفكارك المهرطقة ، ويدلون بشفاههم الغليظة الغائرة في لحاهم الشيباء ،لتهتز كتل اللحم تحت ذقونهم غاضبةً .

قد تحرق أنت ،وإن حالفك الحظ بأبٍ مؤمن يجعل اللحى تسجد ،والشحم يهدأ ،ستقذف إلى المنفى ،أو السجن ليتم العدل ويعلو صوت الحق .
تمر عليك السنون وأنت تحاول تذكر متى فقدت انتماءك ؟ الأمر أشبه بتذكر لحظة اختفاء جرح ز

تجر عارك وغرابتك ،وتعتكف في مكانٍ ما ،يمر الوقت طويلاً لتكتشف بعدها أنك لست الغريب الوحيد ،يقذفون إليك بمن يؤنسون وحدتك ،تشعر بأنك تحتاج لذاك الآخر الذي يشاركك عارك .

تغدو الأمسيات توحداً مع شركائك ،إلا أن تغدو لغتكم واحدة ،تنطق بألوان كثر .

شيئاً فشيئاً تتلاشى الحدود وتتمازج الالوان ،تذوب النقاشات والأسماء والمشاعر لتزركش لوحةً تمثل ربيعاً غريباً .

يمضي الحماس بكم نحو رتق كل فتق ،وطلاء كل صدأ ،فتصطدم أصابعكم بأقدام الغيلان ،وتوقعكم رمال الماضي المتحركة في فخاخها .

تدمي اصابعكم أشواكُ تبرز من حروف كتاب ،أو سيفٍ مشهر بين فخذي رجل دين ،أو منجل بين يدي جاهل أعمى .

يغدو الخوف والأمل هنا صديقيكم المفضلين ،يجران عربة حماسكم نحو ذاك الربيع الغريب ،لتمطر السماء الحالكة فوق طرقاتكم ،فتوىً من هنا وحكماً من هناك ،لعنةً من إله ،أو إقصاءً من بشري .

في تلك الطرقات لامجال للعودة ،عليكم ان تتابعوا نحو الأمام أو نحو الأسفل حاملين معكم الكتب فقط دروعاً للحياة .

 

 

28

 

 

أنا الأعجمي حارس الزنزانة

لست وحشاً ،لأن الوحوش غير موجودة ،من أنا إذاً؟..ربما فوضى من الانفعالات تتخبط في شرك الضعف ،شخصٌ ما انفصل عني ،نسيت متى ،لكنني أرجح لحظةً معينة ،حيث كنت أنا الحقيقي ،أمزق بلا رحمة ،وبسرعةٍ كالبرق ،لا وقت لديك لتفكر ،كما لاوقت لديك لتستوعب ،عليك دفن كل شيء في برهة ،عليك محو ذاتك كما لو أنك تسحق حشرة .

كل الأشياء التي اعتبرتها معنىً لحياتك ستتحول إلى خراء ،تزوجت من ذات العيون الوحشية وأنجبت طفلاً قوياً ،عليك نسيان ذلك ،أين الزوجة ؟وأين الطفل ؟ لاتتساءل ،لاوقت لذلك ،كم اللحظة قصيرة ؟عليك استيعاب ألمك وجهلك وفوق كل ذلك ذاك السوط اللعين ،من أنت ؟ هل أنت حيوان ؟ ماذا تركت وراء ظهرك ؟ لكنك لم تقرر تركه ،لماذا تسير نحو الأمام ؟ ثياب طفلك ،وابتسامة زوجتك ،الفراش ،السعادة ،أنت الآن تجر من رقبتك وتلك الأمور لاوجود لها .

لم تكن إنساناً منحوك هم الإنسانية ،وليس عليك أن تستوعب ذلك ،هذا ليس من شأنك ،لا ماضٍ لديك ،الزوجة والطفل والسعادة ،كانواعندما لم تكن موجوداً اصلاً .

نطقت بالشهادتين ،متى حصل ذلك ؟ وماهي الشهادتين ؟تلك اللحظة اخترعوا فيها سيراً آخر للزمن ،وأصبحن مثل طيرٍ يسقط بعد اصطياده ،أنت تسقط ،لا أنت تعزز الآن ،حشوا رأسك بتلك العبارة ،أي عزةٍ هذه ؟

بأي ذنبٍ أضرب ؟ أين قذفتم بحياتي ؟ هم غير مهتمون بذنبك وبحياتك ،أنت خلقت الآن ،أنت وليد السوط ،وليد دماءك ،لا تلتفت إلى الخلف ،لا شيء وراءك ،كانت كذبة ،خدعة !

تم تحريرك من خدعتك ،أنت الآن تفيض بالنور ،أي نورٍ هذا ؟ لاشيء براق ،يمر الوقت لتدرك أنك معصوب العينين ،مازلت تفكر بالطفل والزوجة ،لا يمكن استيعاب كل هذا الكم ،أنت إنسان ،لا تستطيع النطق بها ،اللسان أبطئ الأعضاء ،تحرك أيها الأخرق ،تكلم ،ثم لا ، لا ذنب للسان ،كلامك لا شيء ،اختفى وراء ظهرك ،مع الزوجة والطفل ،مع خدعتك .

أنت الآن رجل للحق ،عليك ان تشبههم ،اضرب بالسوط ،كما تلقيت ضربات منه ،افعلها ،اشتم واهزأ،تغمرك الحقيقة الآن ،أي حقيقة يا غبي ؟الدم لايشع أبداً ،الحيوان يدرك حقيقته ،تماماً كما تدرك الآن أن الإنسان الذي خلقت عليه هناك ،في خدعتك ،في حقيقتك.

الحقيقة قادمة ،لم تخبو خلفي ،لحقت بي ،النور ليس كما يدعون ،الجميع سيدرك الحقيقة ،أي إله يقبل بالدم نوراً له ؟

لن تعود تلك السعادة ولن تعود الزوجة والطفل ،لكنك ستتحرر،وستحرر سجنائك ،الذين لم تكن سجانهم يوماً ،ستفتح باب الزنزانة ،خط الثلث ينتظر من يبرع فيه ،الزوجات ،سأحرر كل شيءٍ من هذه الزنزانة ،الجميع ،لن تهمني السماء المزيفة ،وحقيقة الدم المفبركة ،لا حاكم باسم إله ولا حاكم باسم نفسه ،ولن أكون وحيداً ،الجميع لن يصدقهم ،لا إله للضغينة ،ولا نور في الركود .

نعم أنا لست وحشاً ،لكن العبودية أشد قتامةً من العتمة .

ولا مكان لخدعةٍ في طريق شمس ….

 

(( انتهت ))

29

 

 

 

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s